فرصه الاخيره حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

نبدأ منين؟ من يوم وفاة مراتك ولا من قبلها؟
قلبي وقع تاني.
طلع تسجيل صوتي أنا.
لو العجوز ده اختفى، كل حاجة هتبقى ليا
حطيت إيدي على وشي وانهارت أعصابي.
كنت متضايق! كنت بقول كلام وخلاص!
رد بهدوء
طيب نشوف ده؟
فيديو أنا في المطبخ بحط حاجة في كباية الشاي وببص حواليّا.
جسمي كله اتشل.
دي محاولة تسميم قالها ببساطة.
صرخت
ما حصلش! هو ما شربهاش أصلاً!
بس النية كانت موجودة.
سكت ما بقاش في حاجة تتقال.
عدّت ساعات يمكن أيام مش فاكر. كل حاجة بقت ضباب. تحقيقات أسئلة ورق إمضا.
لحد ما جه اليوم اللي شفته فيه تاني.
في المحكمة.
دخل القاعة بهدوء لابس بدلة أنيقة وماشي بثقة. مفيش أي أثر للراجل الضعيف اللي كنت شايفه.
قعد على الكرسي وبصلي.
أنا كنت واقف ورا القضبان هدومي باهتة ووشي شاحب.
عيونه قابلت عيوني وقال بصوت واطي بس وصلّي
دلوقتي كل واحد في مكانه الصح.
القاضي دخل والكل وقف.
اتقري الحكم
سنين طويلة.
طويلة لدرجة إني حسيت عمري كله بيتسرق مني في لحظة.
وأنا خارج من القاعة مكبل مكسور بصيت له آخر مرة.
ما ابتسمش ما شمتش فيّا
بس لف ومشي.
وساعتها فهمت
إنه ما كانش بيدور على انتقام.
كان بيدور على عدالة.
وأنا كنت مجرد النهاية اللي استاهلها.
عدّت أول ليلة في الحجز تقيلة كأنها سنين. السقف واطي، والهواء مكتوم، وصوت الحديد وهو بيخبط مع كل حركة حواليا كان بيفكرني كل شوية إني خلاص بقيت هنا.
ما نمتش.
كل ما أغمض عيني أشوف وش إلينا. نفس النظرة الهادية بس وراها خيبة أمل توجع أكتر من أي عقاب.
كنت فاكر إني أذكى من الكل طلعت أغبى واحد فيهم.
تاني يوم، جالي المحامي اللي الدولة عينته. راجل كبير في السن، بصلي نظرة طويلة قبل ما يقعد.
قضيتك صعبة كل حاجة ضدك.

قلت بسرعة، وأنا متعلق بأي أمل
طب نعمل إيه؟ أكيد في حل!
هز راسه
أقصى حاجة نقدر نعملها نقلل الحكم. إنما تطلع؟ صعب جدًا.
سكت شوية وبعدين قال
حماك حضر لكل ده من زمان. مراتك كانت شاكة فيك قبل ما تموت.
الجملة دي خبطتني جامد.
يعني كانت عارفة؟
تقريبًا كل حاجة.
حطيت وشي بين إيدي وافتكرت آخر أيامها. كانت هادية زيادة بتبصلي بطريقة غريبة كأنها بتودّع مش بس الحياة لأ بتودّعني أنا كمان.
رجعت الزنزانة وأنا تايه.
عدّى أسبوع وبعدها حصل حاجة ما توقعتهاش.
السجّان نده عليّا
عندك زيارة.
استغربت مين هييجيلي؟
طلعت ودخلت أوضة الزيارة. كان في حاجز زجاجي بيني وبين الكرسي التاني.
وقفت مصدوم.
حمايا.
قاعد قدامي هادي زي كل مرة.
مسكت السماعة بإيد بتترعش
جاي ليه؟ مش كفاية اللي حصل؟
بصلي شوية وبعدين قال
جيت أقفل الصفحة.
ضحكت بسخرية
صفحة إيه؟ إنت دمرت حياتي!
رد بهدوء
حكايات شروق خالد
إنت اللي دمرتها بنفسك.
سكت لأنه عنده حق.
طلع ظرف صغير من جيبه ورفعه قدام الزجاج.
دي رسالة من إلينا كانت كاتبها قبل ما تموت.
قلبي دق بسرعة.
ليّا؟
أيوه بس كنت مستني الوقت الصح.
اترددت لحظة وبعدين أخدتها.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف.
خطها عرفته فورًا.
كنت نفسي أصدق إنك بتحبني بس قلبي كان حاسس بكل حاجة. لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى شكوكي كانت صح
دموعي نزلت غصب عني.
أنا سامحتك بس المسامحة مش معناها إنك تهرب من نتيجة أفعالك.
وقفت قراية نفسي اتقطع.
بصيت له من ورا الزجاج كان ساكت بس عينيه فيها نفس الحزن.
كملت
أتمنى تتغير حتى لو متأخر. لأن أسوأ عقاب مش السجن أسوأ عقاب إنك تعيش عارف إنك ضيّعت كل حاجة بإيدك.
وقعت الورقة من إيدي.
ما عرفتش أتكلم.
أول مرة أحس بالندم
الحقيقي.
مش على الفلوس ولا على الحكم
على نفسي.
حكايات شروق خالد
السجّان خبط على الباب
خلصت الزيارة.
حمايا وقف مسك السماعة آخر مرة
خليك فاكر العدالة خلصت دورها الباقي عليك.
ساب السماعة ومشي.
وأنا فضلت واقف مكاني لوحدي
بس المرة دي
مش بخاف من اللي جاي.
بخاف من اللي فات.
بعد الزيارة دي كل حاجة جوايا اتغيرت.
الزنزانة لسه هي هي نفس الجدران، نفس الصوت، نفس القسوة
بس أنا ما بقيتش نفس الشخص.
بقيت أصحى بدري أقعد ساكت بالساعات أفتكر كل تفصيلة.
كل كلمة قلتها كل نظرة تجاهلتها كل مرة اخترت فيها الطمع بدل أي حاجة تانية.
أول مرة في حياتي ما بحاولش أهرب من نفسي.
عدّى شهور
بدأت أشتغل جوه السجن شغل بسيط، تنظيف، ترتيب أي حاجة تخليني أتحرك بدل ما دماغي تقتلني بالتفكير.
وفي يوم واحد من المساجين كان بيتخانق مع التانيين. عصبي وبيزعق.
زمان كنت هبعد أو يمكن أستغل الموقف.
بس لقيت نفسي بقرب وبحاول أهديه.
بصلي باستغراب
مالك؟ إنت فاكر نفسك شيخ؟
ما رديتش بس قلت بهدوء
أنا ضيّعت حياتي عشان كنت فاكر نفسي أذكى من الكل ما تعملش زيي.
سكت شوية وبعدين بعد عن الخناقة.
الموقف كان بسيط بس بالنسبة لي كان كبير.
لأول مرة أحس إني ممكن أصلّح حاجة حتى لو صغيرة.
بعد سنة تقريبًا جالي جواب.
خطه عرفته فورًا.
حمايا.
مش متوقع تسامحني ولا أنا مستني منك حاجة. بس وصلني إنك اتغيرت شوية. لو ده حقيقي يبقى إلينا ما كانتش غلطانة في آخر أمل ليها فيك.
كملت قراية وقلبي بيدق
أنا مش هقدر أنسى اللي حصل بس يمكن أقدر أقبل إنك بتحاول. وده كفاية دلوقتي.
قفلت الجواب وعيني دمعت.
مش فرح
بس إحساس خفيف زي باب اتفتح حتة صغيرة بعد ما كان مقفول تمامًا.
عدّت سنين
بقيت معروف بين المساجين
إني هادي اللي بيحل مشاكل بدل ما يعملها.
الغريب إن الناس بقت تيجي تحكيلي وأنا أسمع.
يمكن عشان عارفين إني كنت في القاع وطلعت منه شوية.
وفي يوم ندهوا اسمي.
قرار إفراج مشروط.
ما صدقتش.
خرجت الشمس كانت قوية بس المرة دي ما حرقتنيش.
وقفت بره تايه بس حر.
أول حاجة عملتها إني رحت له.
خبطت على الباب قلبي بيدق زي أول مرة.
فتح نفس النظرة بس أهدى.
بصلي شوية وأنا ما عرفتش أقول حاجة.
في الآخر قلت بصوت مكسور
أنا آسف.
كلمة صغيرة بس خدت مني سنين عشان أقولها بصدق.
فضل ساكت وبعدين قال
عارف.
وساب الباب مفتوح.
ما كانش غفران كامل
ولا رجوع للي فات
بس كان بداية.
وأنا دخلت
مش كواحد بيدوّر على فلوس
ولا على مصلحة
دخلت كواحد أخيرًا فهم.
إن اللي ضاع عمره ما يرجع.
بس اللي فاضل
ممكن يتبني من جديد لو استحق.
الدخول البيت كان غريب كل حاجة فيه بتفكرني بيها.
نفس الستاير نفس ريحة المكان حتى الكرسي اللي كانت بتحب تقعد عليه لسه في مكانه كأنها هترجع في أي لحظة.
وقفت في نص الصالة مش قادر أتحرك.
هو دخل وسابني لوحدي شوية يمكن قاصد.
قربت من صورة ليها على الحيطة إلينا بتضحك نفس الضحكة اللي كنت فاكر إنها مضمونة وإنها هتفضل مهما عملت.
لمست الإطار بإيدي ووشي اتشد.
أنا ضيّعتك قلتها بصوت واطي.
من ورايا صوته جه هادي
أيوه بس مش لوحدك.
لفيت له مستغرب.
المرض كان بياكل فيها وانت كنت بتكمل الباقي.
الكلمة خبطتني جامد بس ما اعترضتش.
قعدنا لأول مرة من غير توتر أو كره صريح.
في مسافة بينا بس مش زي زمان.
قال بعد شوية
أنا مش فاتح لك الباب عشان أنسى أنا فاتحه عشان أشوف إنت هتعمل إيه بالباقي من عمرك.
هزيت راسي
فاهم.
سكتنا وبعدين سألته
الشنطة كانت فيها إيه غير الأدلة؟

ابتسم ابتسامة خفيفة
حاجات ليها مذكرات رسائل وصية تانية محدش يعرفها غيري.
قلبي شد
وصية تانية؟
أيوه مش فلوس. حاجة أهم.
بصيت له بتركيز.
حكايات شروق خالد
كانت عايزة البيت ده يتحول
تم نسخ الرابط