لحن الخلاص حكايات شروق خالد
في يوم حفلة البيانو، والكل مستني يشوفها بتعزف وتضحك قدام الناس، صوفيا رفعت قميصها قدام أبوها وورته ضهرها.. ضهر كان مرسوم عليه خريطة وجع، كأن فيه حد قرر يحول طفولتها لسر وسخ.
إبراهيم وقف متجمد في وسط أوضة بنته اللي كلها لونه بينك. فستان الحفلة الأبيض كان متعلق على الدولاب، والشوز السواريه محطوط جنب السرير بكل نظام. وبرا في الصالة، مراته شيرين كانت صوتها عالي في التليفون وهي بتخانق مع أمها على المواعيد وعايزين يوصلوا دار الأوبرا الساعة كام.
كل حاجة كانت تبان طبيعية.. زيادة عن اللزوم.
البيت ريحته برفان غالي، وجل شعر، وزحمة يوم سبت عادي. بس جوه الأوضة دي، العالم كان بينهار من غير ولا همسة.
صوفيا عندها 9 سنين، ومكنتش بتعيط. وده أكتر حاجة رعبت إبراهيم. مش لون الكدمات، ولا شكل البصمات، ولا حتى الطريقة اللي كانت صوفيا ضامة بيها نفسها كأنها عايزة تختفي.. الرعب الحقيقي كان في هدوئها. هدوء حد اتعود على الوجع، هدوء ميطلعش من طفلة أبدًا.
مين اللي عمل فيكي كده؟
السؤال طلع من بقه زي الحجر. بس جواه، كان عارف الإجابة. فيه تفاصيل العقل بيحاول ينكرها بس الجسم بيحس بيها الأول الخوف من أسماء معينة، سكوت صوفيا المفاجئ كل يوم سبت وهو نازل يشتغل على التاكسي وردية الصبح.
صوفيا نزلت عينيها في الأرض وقالت
جدو رأفت.
حاجة اتكسرت في صدر إبراهيم، بس مسمحش لنفسه يقع. مش قدامها.
من إمتى؟
صوفيا بلعت ريقها وإيديها بتشد على طرف القميص
كل يوم سبت.. وأنت في الشغل. تيتة مديحة بتقولي بلاش فضايح، ده جدو بيلعب معاكي بس غشيم شوية.
الدنيا لفت بإبراهيم. ضحكة شيرين وهي في الصالة كانت واصلة له.. ضحكة باردة، ملهاش معنى، كأنها جاية من كوكب تاني.
مامتك عارفة؟
صوفيا طولت عقبال ما ردت. والسكوت ده كان أوحش من أي رد
قولتلها مرة.. قالتلي بلاش تتبلي على جدو وتألفي حكايات وحشة. وقالتلي لو اتكلمت تاني هخلي تيتة تموت من زعلها عليا.
إبراهيم غمض عينه ثانية واحدة. مش عشان يرتاح، عشان ميصرخش. شهور وهو بيقنع نفسه إن بنته بتكبر، إن العيال بتقع وهي بتلعب، إن أهل شيرين ناس شداد بس مش مجرمين. كذب الكذبة وصدقها عشان عارف إن الحقيقة معناها يهد البيت ده كله فوق دماغ الكل.
فتح عينه وقالها بلهجة مفيهاش تراجع
هاتي شنطتك. خدي المهم بس.
صوفيا بصتله كأن كلامه ده كان الباب اللي مستنياه يتفتح من سنين
إحنا ماشيين؟
دلوقتي حالاً.
البنت مسألتش على فين. جريت على الدولاب حطت بلوفر وعروستها القماش ونوتة صغيرة وكيبورد لعبة كانت بتتمرن عليه في السر.
إبراهيم دخل أوضته، لم الأوراق الرسمية، والفلوس اللي كان شايلها في علبة جزمة، وغيارين.
فجأة شيرين وقفت على باب الأوضة.
كانت لابسة فستان شيك، وحلق لولي، ومكياج كامل.. ست اختارت شكلها قدام الناس على حساب بنتها.
أنت بتعمل إيه؟
إبراهيم مردش. بص للشنطة، وبعدين لصوفيا اللي كانت واقفة وراه وماسكة شنطتها في حضنها.
إحنا ماشيين.
شيرين كشرت بضيق، مش بمفاجأة
متبدأش دراما.. أهلي مستنيين، وصوفيا عندها حفلة.
صوفيا مش هتقرب من أهلك تاني.
وش شيرين اتغير، ونظرتها بقت حادة
تاني يا إبراهيم؟ هنرجع للموال ده؟
البنت جسمها متعلم يا شيرين!
العيال بتقع وتتخبط!
مش بالمنظر ده!
شيرين وطت صوتها بس كلامها كان زي السم
مش هسمحلك تهد عيلتي عشان أوهام بنت دلوعة.
صوفيا انكمشت في نفسها. إبراهيم شاف الحركة دي وفهم كل حاجة. فهم إنه كان بيبني بيت من رمل.
ابعدي عن الباب.
لأ.
شيرين سدت الباب بجسمها
لو خرجت من الباب ده، متورينيش وشك تاني. ولو فكرت تتهم أبويا، مفيش مخلوق هيصدقك. ده رأفت بيه الكارديني، الناس كلها بتعمله ألف حساب.
إبراهيم شال صوفيا بين إيديه. كانت خفيفة أوي، أخف مما كان فاكر.
يبقى الناس كلها هتعرف الحقيقة النهاردة.
شيرين مدت إيدها عايزة تشد البنت
صوفيا، انزلي. قولي لأبوكي إنك بتهزري.
البنت دفنت
وفي اللحظة دي.. جرس الباب رن.
شيرين ابتسمت بانتصار
دول أهلي وصلوا.
إبراهيم بص ناحية الطرقة. صوت رأفت جه من ورا الباب.. صوت هادي، متسلط، وعارفينه كويس
افتحوا يا ولاد! هتأخرونا على الحفلة!
إبراهيم ضم بنته لصدره أكتر، وفهم إن الخروج من البيت مش كفاية.. هو لسه هيضطر يمشي وسط جهنم عشان ينجي ببنته.
حكايات شروق خالد
إبراهيم حس ببرد في أطرافه، بس قلبه كان بيغلي. صوت رأفت برا وهو بيخبط بصباعه على الباب تكة.. تكة.. تكة كان بالنسبة له زي صوت عداد قنبلة.
افتحي يا شيرين.. الباب ماله؟ صوت مديحة، حماته، كان فيه نبرة الآمرة الناهية اللي دايماً بتكتم نَفَس البيت.
شيرين بصت لإبراهيم بتحدي وهمست نزل البنت، واطلع قابلهم، وامسح الحكاية دي من دماغك لو عايز تعيش مستور.. أنت عارف أبويا واصل لفين.
إبراهيم ماردش بكلمة. مكنش فيه كلام يتقال. مشي بخطوات تقيلة وواسعة ناحية الباب، وهو لسه شايل صوفيا اللي كانت بتترعش في حضنه زي عصفور مبلول. شيرين جريت وراه وبتحاول تمسكه من كتفه أنت رايح فين؟ اتهبلت؟
إبراهيم فتح الباب مرة واحدة.
رأفت كان واقف، لابس بدلة غالية، وريحته سيجار، وعلى وشه ابتسامة عريضة أول ما شاف صوفيا.. بس الابتسامة دي كانت بالنسبة لإبراهيم أبشع منظر شافه في حياته.
يا