الأوضة الحمرا** حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

فيها حق، ومبيضيعش طول ما فيه ناس بتدور عليه.
أرجون رد بصوت مخنوق من التأثر جميلك ده فوق راسي ليوم الدين يا فندم.. أنت مأنقذتنيش أنا بس، أنت أنقذت طفلة كانت هتعيش يتيمة الأب والأم.
آية قربت منهم، وبصت للقرية الكبيرة اللي حواليهم، ولأول مرة تحس إن الهوا نضيف ومفهوش ريحة كلور وحديد وخوف. بصت لدويدار وقالت له ببراءة شكراً يا عمو.. أنا هحكي لماما عليك لما أكبر.
دويدار وطى لمستواها وطبطب على خدها العفو يا قلب عمو.. أنتي اللي بطلة، وأمك الله يرحمها كانت ست شجاعة.
أرجون أخد بنته وركبوا عربية تاكسي كانت مستنياهم بره السجن. طول الطريق، آية كانت ساندة راسها على كتف أبوها، وعينيها مقفولة وهي بتتنفس براحة مكنتش حساها من سنين. أرجون كان بيبص من الشباك على الشوارع والناس والبيوت، وحاسس إن الدنيا رجعت لها الألوان تاني بعد ما كانت خمس سنين باللون الأبيض والأسود وبدلة الإعدام الحمرا.
وصلوا لمنطقتهم.. الحارة الشعبية اللي شهدت المأساة.
أول ما التاكسي وقف، الناس بدأت تطلع من المحلات والبيوت. الجيران اللي كانوا زمان بيتفوا على سيرته وبيقولوا عليه القاتل، وقفوا مكسوفين، وعينيهم في الأرض. بس أرجون مبصش لحد فيهم ب غل؛ هو كان جواه سلام ونور مخليه مش شايف غير بنته وبس.
طلعوا السلم القديم، ووقفوا قدام باب شقتهم اللي كان متشمع بالشمع الأحمر طول السنين دي. أرجون طلع المفتاح الأصلي للشقة اللي اللواء دويدار رجعهوله مع حاجته وحطه في الكالون وفتح الباب.
عفرة التراب كانت مالية المكان، وكل حاجة واقفة في مكانها من ليلة الحادثة كأن الزمن وقف. أرجون دخل وبص على الصالة، وافتكر مراته كريمة وهي
واقفة بتضحك وبتجهز الأكل. نزل على ركبه وبدأ يعيط، بس المرة دي مكنش عياط قهر.. كان عياط الفراق والاشتياق.
آية دخلت وراه، راحت على بلكونة الشقة، وفتحت الشيش.. دخل نور الشمس المالي الدنيا ملى الأوضة الضلمة كلها وطرد ريحة التراب والماضي. التفتت لأبوها وقالت له وبابتسامة منورة وشها
يلا يا بابا.. ننضف بيتنا سوا؟
أرجون مسح دموعه، ووقف وهو حاسس ب قوة جديدة بتجري في عروقه. بص لبنته وقالها يلا يا قلب بابا.. ننضفه ونبدأ من جديد.
ومن اليوم ده، الشقة اللي شهدت أبشع جريمة وظلم، بقت المكان اللي اتولد فيه الأمل من تاني.. وبقت آية هي النور اللي نور حياة أرجون، والسر اللي عاش بسببه.
حكايات شروق خالد
مرت الشهور، والحياة بدأت ترجع ل مجاريها بالراحة. أرجون رجع لشغله القديم في ورشة الخراطة، والناس في المنطقة لما عرفوا الحقيقة كاملة ومنشورات الجرايد نزلت بنشر براءته واعتذار رسمي من النيابة، بقوا يحاولوا يعوضوه ويتقربوا منه، بس أرجون كان قفل باب حياته على بنته وبس.
كل يوم بعد العصر، كان أرجون يقعد مع آية في الصالة يراجع معاها دروسها. البنت اللي عاشت سنين شايلة هم أكبر من الجبال، رجعت لضحكتها الطفولية، وبقت تروح مدرستها وهي رافعة راسها وسط زميلاتها.
وفي يوم جمعة، والشمس مالية الشقة، آية دخلت على أبوها الأوضة وهي ماسكة في إيدها كشكول رسم قديم.
قعدت جنبه على السرير وقالت له بابا.. أنا رسمت حاجة وعايزاك تشوفها.
أرجون ابتسم وأخد الكشكول. فتح الصفحة، لقى رسمة بسيطة بخطوط أطفال راجل طويل ماسك إيد بنت صغيرة، وفوقيهم في السماء ملاك أبيض بيطير وبيبتسم لهم، وجنبهم شجرة خضرا كبيرة مكتوب تحتها
بخط آية الصغير عيلتنا الجديدة.
أرجون حس بدمعة دافية هربت من عينيه، حضن آية جامد وقالها رسمتك جميلة يا قلب بابا.. أحلى رسمة شفتها في حياتي.
آية بصت في عينيه وقالت ببراءة الملاك دي ماما يا بابا.. هي بتشوفنا دلوقتي ومبسوطة عشان إحنا سوا وعشان أنت بريء.
في نفس اللحظة، جرس الباب رن. أرجون قام يفتح وهو بيتمسح دموعه.
أول ما فتح، لقى قدامه راجل لابس لبس مدني شيك، ووشه بشوش.. كان اللواء دويدار، بس المرة دي من غير البدلة الميري والرتب. كان طالع معاش قريب وجاي يزورهم.
أرجون وشه نوّر وقال بترحيب حار سيادة اللواء! يا ألف نهار أبيض.. اتفضل يا فندم، اتفضل.
دويدار دخل وابتسم وهو شايف الشقة نضيفة والروح رجعت فيها خلاص يا أرجون، مبقاش في سيادة اللواء.. أنا بقيت عمك دويدار، راجل متقاعد وجاي يطمن على أبطاله.
آية أول ما شافته جريت عليه وحضنته عمو دويدار!
قعدوا مع بعض وشربوا الشاي، ودويدار حكى لأرجون إن المستشار رفعت والمأمور البديل وكل شبكة الفساد اتحكم عليهم بأحكام مشددة تشفي الغليل، وإن القضية بقت درس بيتنبه بيه في مصلحة السجون عشان مفيش مظلوم يتظلم تاني.
وقبل ما دويدار يمشي، بص لأرجون وبص لآية وقالهم أنا كسبت قضية كتير في حياتي يا أرجون.. بس إنقاذكم كان الجايزة الحقيقية اللي هقابل بيها ربنا وأنا مرتاح.
أرجون وقف مع بنته في البلكونة وهما بيودعوا اللواء دويدار وهو ماشي في الشارع. آية حطت إيدها في إيد أبوها، وبصت للسماء الصافية، وحست إن الستارة نزلت خلاص على الكابوس القديم، وإن اللي جاي كله أمان ونور.
حكايات شروق خالد
ومرت السنين.. وآية كبرت وبقت شابة زي الفل، دخلت كلية الحقوق
عشان تدافع عن المظلومين وتكون صوت لكل واحد مش قادر يتكلم، زي ما كانت وهي طفلة عندها تسع سنين.
وفي يوم تخرجها، كانت المدرجات مليانة ناس وأهالي بيسقفوا وفرحانين. آية كانت واقفة بالروب الأسود ومربع التخرج فوق راسها، وعينيها بتدور وسط الزحمة لحد ما لقطت الراجلين اللي صنعوا حياتها من جديد.
أبوها أرجون، اللي شعر راسه غزا الشيب بس وشه مليان رضا وفخر، وجنبه اللواء دويدار، اللي السن بان عليه وبقى ساند على عصاية، بس عينيه لسه فيها نفس النظرة الحامية والذكية.
أول ما آية استلمت شهادتها، مسكت المايك وبصت للجمهور وقالت بصوت قوي وواثق
الشهادة دي مش ليا لوحدي.. الشهادة دي لروح أمي اللي علمتني أقول الحق ومخافش، ولأبويا البطل اللي استمل القهر عشان يرجعلي، ولأعظم ظابط في مصر.. اللي علمني إن القانون اتعمل عشان يحمي المظلوم، مش عشان يدفنه صاحي.
المدرج كله اتقلب بالتسقيف، وأرجون ومسح دموعه اللي نزلت من الفرحة، واللواء دويدار ابتسم وهو حاسس إن الزرعة اللي زرعها في وسط الضلمة والخوف، بقت شجرة كبيرة ومثمرة وهتضلل على ناس كتير.
بعد الحفلة، خرجوا التلاتة ومشوا في جنينة الجامعة. أرجون بص لبنته وقالها مبروك يا سيادة المستشارة.. أمك زمانها فخورة بيكي من فوق.
آية حضنت دراع أبوها ودراع اللواء دويدار وقالتلهم يلا بينا نروح؟
أرجون ابتسم وقال على فين؟
آية بصت للسماء الصافية وقالت براحة وسكينة نروح لبيتنا.. البيت اللي مفيش فيه خلاص أي حزن، ولا أي خوف.
ومشوا التلاتة مع بعض، خطوتهم ثابتة، والدنيا حواليهم منورة بالحق والعدل، بعد ما انتهت الحكاية اللي بدأت ب وشوشة في أوضة إعدام، وخلصت بأجمل حقيقة
ونور.
الأوضة الحمرا
حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط