الأوضة الحمرا** حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

بقاله سنين، التراب مغطي كل حتة، وريحة الموت والرطوبة مالية المكان.
آية مشيت بثبات، ودخلت لحد أوضة الصلاة اللي في آخر الممر. شاورت على دولاب خشب قديم ومكسور ورا سجاد الصلاة ورا ده.
العساكر زقوا الدولاب بقوة، ورا الدولاب ظهر باب خشب صغير ومدهون باللون الأحمر الداكن.. الأوضة الحمرا. الباب كان مقفول بقفل حديد قديم ومصدي.
دويدار بص لآية، البنت طلعت المفتاح الدهبي الصغير من عرستها ومدت إيدها لدويدار أنت مش معاهم.. افتحه أنت.
دويدار أخد المفتاح، حطه في القفل، ولفه.. القفل اتفتح بصوت تزييق عالي. زق الباب، ودخلوا ومعاهم كشافات.
الأوضة كانت عبارة عن مكتب صغير سري لكريمة مراته الميتة. وعلى المكتب كان فيه جهاز تسجيل قديم وشرايط كاسيت، وجنبهم ملف ورق كبير.
دويدار فتح الملف.. كانت صدمة.
كريمة مكنتش ست عادية، كانت شغالة سكرتيرة في مكتب المستشار رفعت قبل ما تتجوز، وكانت كاشفة شبكة فساد ورشاوي وتهريب آثار هو راسها الكبيرة. ولما عرفت إنه ناوي يخلص منها، سجلت له كل حاجة بالصوت والصورة، وشالت المستندات هنا. ولما رفعت قتلها وبترتيب معقد لبس القضية لجوزها أرجون عشان يخلص من الاتنين بضربة واحدة، مكنش يعرف إن كريمة حكت السر لبنتها الصغيره وسابت لها المفتاح.
دويدار شغل شريط الكاسيت.. صوت رفعت وهو بيهدد كريمة بالقتل وصوت ضرب النار كان واضح زي الشمس.
دويدار لف وبص لرفعت اللي ركبه سابت ووقع في الأرض من الصدمة بقيت أنت المتهم يا سيادة المستشار.. وأرجون ياخد براءة.
أرجون وقع على ركبه وهو بيبكي بحرقة، وصوته بيعلو بالحمد والشكر لله بعد خمس سنين قهر وظلم. آية قربت منه، وحضنته تاني، ولأول مرة من ساعة ما دخلت السجن، نزلت من عينيها دمعة واحدة.. دمعة فرحة وهي بتقول له
ماما ارتاحت دلوقتي يا بابا.. وأنت هترجع معايا البيت.
حكايات شروق خالد
على صوت عياط أرجون اللي كان بيهز حيطان الأوضة الضلمة، اللواء دويدار مشي ناحية رفعت، وبكل حسم قلع من إيده الخاتم الأسود ورماه في الأرض، وبص للعساكر وقالهم كلبشوا المتهم.. وخدوه على البوكس.
رفعت وهو بيتسحل على الأرض والكلبشات في إيده كان بيصرخ مش هتلحقوا! الحكم مضا عليه وزير العدل! التنفيذ ميعاده كمان ساعتين! لو مات أرجون الورق ده ملوش قيمة!
الكلمات دي نزلت زي المية الساقعة على قلب دويدار. رفعت كان بيتكلم صح؛ البيروقراطية والوقت كانوا هما العدو الحقيقي دلوقتي. الساعة كانت داخلة على واحدة الظهر، والتنفيذ ميعاده تلاتة العصر بالدقيقة.
دويدار مبقاش قدامه ثانية يضيعها. أخد الملف والشرايط، وبص لأرجون اللي كان لسه في الأرض وحاضن بنته أرجون.. اسمعني كويس. أنا هاخد البنت والورق ده وهطير على مكتب النائب العام في القاهرة. أنت هترجع السجن دلوقتي، بس مش عشان تتعدم.. عشان تستنى رجوعي.
أرجون بص لدويدار بعيون مليانة رعب يا سيادة اللواء.. أرجوك متسبنيش ليهم، دول رجالة رفعت في كل حتة!
دويدار حط إيده على كتف أرجون أنا هسيب معاك حراسة من رجالتي الخصوصيين اللي ببرقبتي.. مش هيلمسوك. آية هتيجي معايا عشان هي الشاهد الوحيد. ثق في الله.
آية بصت لأبوها وهزت راسها كأنها بتطمنه، وقالتله أنا هروح مع عمو يا بابا.. خليك شجاع زي ما ماما قالت.
المسافة من البيت القديم لحد مكتب النائب العام كانت محتاجة ساعتين على الأقل في الزحمة، ودويدار مبقاش معاه غير ساعة ونص. ساق عربية البوكس بنفسه، وفتح السارينة، وبقى بيشق شوارع المحروسة كأنه في سباق مع الموت. آية كانت قاعدة جنبه في الكرسي القدامي، حاطة العروسة القماش
في حضنها ومبتتكلمش، عينيها على الطريق وكأنها بتزق العربية بعينيها.
في السجن.. الوقت كان بيمر زي السكينة.
الساعة بقت اتنين ونص.
المأمور البديل اللي كان متواطئ مع رفعت ومن رجالته دخل الزنزانة ١٤ ومعاه اتنين عساكر غُرب يلا يا أرجون.. ميعادك جه.
أرجون وقف ورجع لورا اللواء دويدار قال محدش يلمسني! القضية اتفتحت تاني!
المأمور البديل ضحك ب خباثة دويدار مش هنا.. ومفيش ورق رسمي وصل بوقف التنفيذ. يلا يا روح أمك.. الحبل مستنيك.
العساكر هجموا على أرجون وكتفوه، وبدأوا يسحبوه في الممر الطويل الضلمة ناحية غرفة الإعدام.. أوضة عشماوي. أرجون كان بيصرخ بكل ما فيه يا رب! يا رب المظلموم ملوش غيرك!
الساعة بقت تلاتة إلا خمس دقائق.
أرجون واقف على طبلية الإعدام. الكيس الأسود اتحط على راسه، وعشماوي بدأ يلف الحبل حوالين رقبته. المأمور البديل كان واقف عينه على الساعة، مستني الدقيقة تيجى تلاتة بالظبط عشان يدي الإشارة وعشماوي يشد الدراع.
تلاتة إلا دقيقة..
وفجأة.. صوت فرامل عربية رزع بره الأوضة. الباب اتفتح ب خبطة رجعت الصدى في المكان كله.
دخل اللواء دويدار وهو بينهج، وفي إيده ورقة رسمية ومكتوب عليها بالخط العريض والأحمر أمر فوري بوقف تنفيذ حكم الإعدام الصادر ضد المتهم أرجون Thakur وإعادة المحاكمة بناءً على ظهور أدلة جديدة.
المأمور البديل وشه اتقلب وبص لدويدار بغل أنت متأخر ثانية واحدة يا سيادة اللواء.. الإشارة طلعت خلاص.
عشماوي كان لسه هيشد الدراع، بس دويدار طلع طبنجته وعمرها وبص لعشماوي لو صباعك اتهز، الطلقة دي هتبقى في دماغك.. سيب الدراع واقعد في الأرض!
عشماوي رفع إيده لورا ورجع خطوتين. دويدار جري على الطبلية، شال الكيس الأسود من على وش أرجون، وفك الحبل من على
رقبته. أرجون أغمى عليه من كتر الضغط والخوف ووقع في حضن دويدار.
بعد أسبوع..
المحكمة المستعجلة حكمت ببراءة أرجون من كل التهم المنسوبة إليه بعد شهادة آية وسماع شرايط التسجيل اللي فضحت شبكة الفساد كلها، واتقبض على المستشار رفعت والمأمور البديل بتهمة القتل العمد والتزوير واستغلال النفوذ.
على باب السجن العمومي.. الشمس كانت طالعة وجميلة.
أرجون خرج وهو لابس هدومه المدنية العادية بعد خمس سنين قهر. على بعد خطوات، كانت واقفة آية، الفستان الأصفر الدبلان اتمسح وبقى نضيف، وضفايرها مترتبة.
مَجِريتش عليه المرة دي كمان.. بس فتحت إيدها والعروسة القماش مكنتش معاها.. رمتها خلاص لأن السر اللي جواها اتكشف.
أرجون هو اللي جري عليها، وقع على ركبه وخدها في حضنه وهو بيعيط وبيقَبّل راسها وإيديها سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا قلب بابا.
آية طبطبت على ضهره، ولأول مرة من خمس سنين، ضحكت ضحكة طفولية من قلبها وقالتله يلا نمشي يا بابا.. ماما مستنيانا في الجنة، وإحنا لازم نعيش.
حكايات شروق خالد
أرجون قام وقف، وهو ماسك إيد آية ومبتتكلبش، كأنه خايف لو سابها ثانية واحدة الدنيا تسرقها منه تاني. مشيوا خطوتين ناحية الباب الخارجي للسجن، وفجأة أرجون وقف والتفت وراه.
اللواء دويدار كان واقف بعيد، ساند على عربية البوكس، بيراقبهم وباصص لهم بنظرة فخر وهدوء.. نظرة راجل عمل اللي عليه وشارك في إنقاذ روح بريئة من حبل المشنقة.
أرجون ساب إيد بنته للحظة، ومشي ناحية اللواء دويدار، ورفع إيده وضرب له تعظيم سلام تحية عسكرية بكل احترام وتقدير، ودموعه لسه على خده. دويدار ابتسم وهز راسه، وقرب منه وحط إيده على كتفه وقال بصوت دافي حمد الله على سلامتك يا أرجون.. ارجع لبيتك ولبنتك، وعوضها عن كل يوم عاشته
وهي شايلة هم أكبر من سنها. البلد دي لسه
تم نسخ الرابط