الأوضة الحمرا** حكايات شروق خالد
الساعة كانت ستة الصبح لما قفل الزنزانة ١٤ اترزع وهو بيفتح. أرجون كان صاحي ومنتبه.
هو في راجل بيجيله نوم لما الحكومة تحدد له الساعة واليوم اللي هيموت فيهم؟
بقالها خمس سنين الكلمة دي مابتفارقش لسانه لدرجة إنها بقت حتة منه
أنا مقتلتش مراتي.
بس محدش كان بيسمع.
لا المباحث.
لا المحكمة.
ولا حتى قرايبه اللي كانوا بيتفوا لما سيرته تيجي.
الصبح ده، ماصرخش.
ماترجاش حد يرحمه.
كل اللي عمله إنه بص للعساكر وقالهم خلوني أشوف بنتي بس مرة واحدة.
العسكري الصغير بص الناحية التانية.
أما الظابط القديم فضحك ضحكة باردة وقال المحكوم عليهم بالإعدام ملهمش طلبات.
شفايف أرجون اتهزت وهو بيقول عندها تسع سنين.. أنا ماحضنتهاش من تلات سنين.
الطلب فضل يلف بين مكاتب وإمضاءات وأوراق باردة لحد ما وصل لمكتب مأمور السجن، اللواء دويدار.
راجل عنده اتنين وستين سنة.
قضى منهم أربعة وتلاتين سنة في مصلحة السجون.
شاف قتلة بيبكوا، وشاف مجرمين بيعملوا شرفاء، وشاف مظلومين بيموتوا بوشوش أهدى بكتير من وشوش المذنبين.
فتح ملف أرجون تاني.
البصمات على السكينة.
الدم على الجلابية.
والجار اللي حلف إنه شافه بيجري من البيت.
كل حاجة كانت راكبة على بعضها.
راكبة بالمسطرة.
وده بالظبط اللي كان مقلق دويدار.
المذنبين بيبان عليهم شكل تاني في آخر صباح ليهم.
فيهم اللي بينهار.
وفيهم اللي بيمثل.
وفيهم اللي بيلعن الدنيا.
لكن أرجون كان فيه في عينيه نظرة راجل اتدفن صاحي.
دويدار أمر وقال هاتوا البنت.
على الساعة عشرة، عربية بوكس بيضا وقفت قدام باب السجن العمومي.
نزلت منها الأول أخصائية اجتماعية شكلها تعبان وشايلة ملفات في حضنها.
وبعدها نزلت بنت صغيورة ورفيعة، ل_dateبسة فستان أصفر دبلان، وضفايرها متبهدلة، وحاضنة في إيدها عروسة قماش قريبة من قلبها.
آية.
عندها تسع سنين.
جسمها كان أصغر من مشيتها.
لأنها مكنتش بتمشي مشية عيال
كانت بتمشي زي حد عارف من بدري إن الدنيا ممكن تتهد فوق دماغه في ثانية.
المساجين اللي شافوها وهي معدية سكتوا.
العساكر بطلوا هزار.
حتي الأخصائية الاجتماعية كانت بتبص للبنت بقلق.. البنت اللي مدمعتش، ومسألتش ولا سؤال، ولا حتى اترعشت.
كانت بتمشي وبس.
أوضة الزيارة كانت ريحتها كلور وحديد وخوف قديم.
أرجون كان قاعد على التربيزة، الكلبشات في إيده، وبدلة السجن مبهدلة عليه وجسمه خسس فيها.
دقنه كانت طولت وبقت منكوشة.
ووشه كش.
بس أول ما آية دخلت، الراجل المحكوم عليه بالإعدام انهار.
مش بصوت عالي.
لأ، بشكل يوجع أكتر.
زي أب كان شايل آخر نفس في عمره بس عشان اللحظة دي.
آية...
صوته شرخ.
يا قلب بابا.
الأخصائية سابت إيدها.
آية مشيت ناحيته بالراحة.
مَجريتش.
مَبتسمتش.
مصرختش وتقول بابا زي الأفلام.
وصلت لحد عنده.
وبعدين حضنته.
أرجون غمض عينيه بوجع يخلي أعتى عسكري يبص في الأرض.
دفن وشه في شعرها كأنه كان عايز يموت جوه ريحتها ومش على حبل المشنقة.
قعدوا يجي دقيقة كاملة محدش نطق كلمة.
لا العساكر.
لا الأخصائية.
ولا حتى اللواء دويدار اللي كان واقف بيراقبهم من ورا الإزاز اللي بيشوف من ناحية واحدة.
بعدها آية بعدت شوية.
وقفت على طراطيف صوابعها.
ووشوشت أبوها في ودنه.
محدش سمع هي قالت إيه.
بس الكل شاف مفعول الكلمة عليه.
الدم هرب من وش أرجون.
عينيه برقت.
وجسمه كله بدأ يتنفض.
لأ... همس وهو مش مصدق لأ.. مش ممكن يكون ده اللي حصل...
آية هزت راسها.
بملامح جادة.
وثابتة.
ملامح أكبر بكتير من سنها.
أرجون قام وقف بسرعة لدرجة إن الكرسي اتقلب وراه.
اتنين عساكر جريوا عليه افتكروه هيعمل حاجة مجنونة.
بس هو مبصش للباب.
بص علطول على اللواء دويدار اللي ورا الإزاز.
وصرخ بصوت زلزل السجن كله
أنا مظلوم! هثبتلكم حالا! هاتوا القاضي! هاتوا وكيل النيابة! متموتنيش قبل ما تفتشوا الأوضة الحمرا!
العساكر
آية تبتت في دراعه زي قطة صغيرة بتدافع عن نفسها.
وصرخت متلمسوش بابا!
دويدار دخل الأوضة.
وشه كان مقلوب.
أوضة حمرا إيه؟
أرجون كان بينهج كأنه كان بيجري في ماراثون.
البيت القديم.. بيت حماتي.. ورا أوضة الصلاة.. مكنتش أعرف.. مكنتش أعرف إنها لسه موجودة.
دويدار التفت للبنت.
أنتي قولتي لأبوكي إيه؟
آية رفعت راسها لفوق.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت، ظهرت على حقيقتها.
طفلة شايلة سر أتقل من جسمها الصغير.
قولتله ماما شالت المفتاح فين.
السكوت بقى يقطع الأنفاس في الأوضة.
أمك؟ دويدار سألها.
آية هزت راسها.
قبل ما تموت، قالتلي إياكي تدي المفتاح ده للراجل اللي لابس خاتم أسود. قالتلي مورهوش لبابا إلا لو في يوم حاولوا يموتوه من غير ما يسمعوه.
أرجون طلع منه صوت كأن قلبه اتكسر نصين.
دويدار حس بقشعريرة باردة نازلة على ضهره.
لأن في ورق القضية، مراته كريمة مكنتش ست بتخطط لحاجة.
كانت مجرد ضحية.
ست اتقتلت في نوبة شك وغيرة من جوزها.
ميتة استخدموها عشان يقفلوا بيها القبر على جوزها.
بس الطفلة دي كانت بتتكلم كأن أمها كانت عارفة إن الموت جاي لها.
كأن كريمة سابت فخ للشخص اللي قتلها فعلاً.
مفتاح إيه؟ دويدار سأل.
آية فتحت خياطة مقطوعة في العروسة القماش بتاعتها.
العساكر قربوا خطوة.
الأخصائية حطت إيدها على بقها من الصدمة.
من قلب العروسة، البنت الصغيرة طلعت مفتاح دهبي صغير.
قديم.
ورفيع.
ومربوط بخيط أحمر.
رفعته لفوق.
ده.
دويدار مد إيده بالراحة عشان ياخده.
آية سحبت إيدها لورا.
مش ليك.
الأوضة اتجمدت.
دويدار بحلق فيها ليه لأ؟
عينيها كانت ناشفة.
باردة.
وتخوف.
الأول عايزة أعرف لو أنت كمان معاهم.
الكلمة نزلت زي القلم على الوش.
مع مين؟ دويدار سأل وهو مستغرب.
آية لفت راسها وبصت للإزاز اللي بيشوف من ناحية واحدة.
مبصتش لأبوها.
ولا للعساكر.
بصت للناس اللي واقفة بتتفرج من الناحية التانية.
وبعدين شاورت بصباعها الصغير.
الراجل ده جه بيتنا الليلة اللي ماما ماتت فيها.
محدش بقى قادر يتنفس.
آية كملت كلامها وجه امبارح كمان.. وقالهم ملوش لزمة تراجعوا أي حاجة دلوقتي.
كل الروس لفت تبص للإزاز.
ورا الإزاز، كان في خيال واقف مبيتحركش.
راجل محترم وله هيبة.
صاحب نفوذ وسلطة.
هو حلقة الوصل بين السجن والنيابة.
الراجل اللي إمضته كانت بتزق أرجون للمشنقة قبل ما الشمس تغيب.
في اللحظة دي، الخيال ده رفع إيده وحطها على الإزاز.
وتحت نور السجن الأبيض الواضح، فلاش الخاتم الأسود ضرب في عيون الكل.
حكايات شروق خالد
الراجل اللي واقف ورا الإزاز اتسمر في مكانه، وفي ثانية واحدة الأوضة كلها اتقلبت.
اللواء دويدار مبقاش شايف قدامه. ٣٤ سنة في الخدمة خلوه يشم ريحة المؤامرة من على بعد ميل، والمرة دي الريحة كانت جاية من جوه بيته.. من قلب النظام اللي بيحميه.
بص للعساكر وبصوت جهوري يرعب قال حفظ على المتهم والبنت هنا! محدش يتحرك من مكانه!
خرج دويدار من أوضة الزيارة وراح لورا الإزاز. الراجل صاحب الخاتم الأسود اللي هو المستشار رفعت، المحامي العام اللي كان بيشرف على القضية كان بيحاول يلم حاجته بسرعة ووشه جايب ألوان، عرقان ويدوب هيتحرك ناحية الباب.
دويدار وقف قفل الباب بجسمه على فين يا سيادة المستشار؟ الزيارة لسه مخلصتش.
رفعت حاول يجمع ثباته الانفعالي وقال بصوت ل هزت بس حاول يبان قوي أنت هتصدق كلام عيلة صغيرة يا سيادة اللواء؟ البنت دي أكيد حد محفظها الكلام ده عشان يعطلوا الحكم. الإعدام لازم يتنفذ في ميعاده، دي أوامر.
دويدار بابتسامة باردة تخوف الأوامر دي تتأجل لما نرجع من مشوار صغير.. إحنا رايحين الأوضة الحمرا.
في نفس الساعة، طلع بوكس حراسة مشددة فيه اللواء دويدار، والمستشار رفعت اللي كان تحت التحفظ الفعلي بس من غير كلبشات تقديراً لمنصبه لحد ما يبان له أصل، وأرجون اللي كان لابس
وصلوا البيت القديم.. بيت حماته. مكان مهجور