مفتاح الكرامة حكايات شروق خالد
المحتويات
أنا بعته لجمعية خيرية.. ومي دلوقتي بره البيت، والمرة الجاية اللي هتحاولوا تقربوا من خصوصيتي، هيكون التعامل مع الحكومة.
قفلت السكة، قعدت على كرسي الهزاز، شربت الشاي في مجي الأزرق.. وأخيراً، سمعت صوت الموج.
بعد ما الكالون الجديد ركب، والنجار مشي، والشرطة اتأكدت إن الكل خرج بره حدود الجنينة، البيت رجع يهدى تاني.. بس هدوء مختلف، هدوء فيه ريحة النصر.
مي كانت واقفة على الرصيف وسط عيلتها، والمنظر كان يشفّي الغليل. الشنط مفتوحة، وفوط البحر المبلولة مرمية فوق العربيات، وأمها عمالة تلطم وتدعي، وأختها ولاء اللي كانت حاطة رجليها على الترابيزة بقت بتلم شباشب العيال من وسط التراب.
بصيت لهم من ورا سلك البلكونة وأنا ماسكة المريلة بتاعتي اللي كانت مي لابساها.. رميتها لهم من فوق
خدي يا مي.. دي الحاجة الوحيدة اللي ليكي عندي. مريلة مطبخي متلبسهاش واحدة زيك.
مي وشها كان جايب ألوان، صرخت فيا وهي بتعيط من الغل ماشي يا طنط! والله لخلي رامي يقطع علاقته بيكي، ومش هتشوفي أحفادك تاني! إنتِ طردتينا في الشارع!
ضحكت ببرود وقلت لها
اللي بيخاف على عياله ما بيعلمهمش قلة الأدب في بيوت الناس. وبعدين رامي ابنك هو اللي اختار يبيع أمه عشان يرضيكي.. خليه ينفعك
دخلت وقفت في المطبخ، وبدأت أنضف القذارة اللي سابوها. مسحت الرخام بالديتول كأني بمسح أثرهم من حياتي كلها. وفي وسط ما أنا بنضف، رامي اتصل.. المرة دي صوته كان هادي، صوته كان فيه كسرة.
يا ماما.. ليه كده؟ فضحتيني قدام نسايبي. مي مبهدلة الدنيا وبتقول إنك طردتيها هي وأهلها في نص الليل.
رديت عليه وأنا بمسح الترابيزة اللي صنعتها بإيدي
النص ساعة اللي فاروق المحامي ادهالهم كانت لسه في عز الظهر يا رامي.. الشمس لسه مغابتش. الفضيحة مش إني طردت الغريب، الفضيحة إنك سمحت لمراتك تقول لأمك يا ليتش يعني يا قرادة أو يا دمّامة.. سمعتها بودني وهي بتقول عني ماليش مكان في بيتي.
رامي سكت.. السكوت اللي مابعدوش كلام.
كملت وقلت له
البيت ده يا ابني كان أماني.. وإنت وهي كنتوا عايزين تسرقوا الأمان ده وأنا لسه عايشة. من النهاردة، المصروف اللي كنت ببعتهولك كل شهر عشان يساعدك في قسط عربيتك هيتوقف. والبيت ده، زي ما قلت لك، أوراقه بقت في الجمعية الخيرية.. هيفضل باسمي طول ما أنا عايشة، وأول ما أموت، هيبقى دار لرعاية الستات اللي زيك يا مي، الستات اللي ملهمش حد يدافع عنهم.
قفلت السكة في وشه، وعملت أحلى
طلعت البلكونة، قعدت على الكرسي الهزاز، وفردت رجلي. الشمس كانت بدأت تغطس في البحر، والسما لونها بقى برتقالي في موف.. المنظر اللي مي وعيلتها مالحقوش يشوفوه.
لأول مرة من سنين، حسيت إني خفيفة.. مفيش حمل على كتافي، مفيش ناس بجاملهم على حساب كرامتي. بصيت للورد اللي العيل الصغير كان داس عليه، لقيته لسه فيه الروح، وقررت إني بكرة الصبح هسقيه وأصلحه.
الليل دخل، وصوت الموج بقى عالي وواضح.. مفيش مزيكا مهرجانات، مفيش صريخ عيال، مفيش صوت مي المستفز.
أنا إلهام.. عندي سبعين سنة، ومعنديش حد يطبطب عليا غير نفسي.. بس الليلة دي، أنا نمت أحلى نومة في حياتي، لإن البيت رجع لأصحابه، والحق رجع لأهله.
عدى أسبوع على الليلة دي.
أسبوع قضيتُه في هدوء مكنتش أحلم بيه. في الأول، رامي حاول يتصل عشرات المرات، ويبعت رسائل اعتذار من نوعية يا أمي مي مكانش قصدها وإحنا كنا بنهزر معاكي، بس أنا كنت خلاص قفلت الباب ده تماماً. اللي يغلط في الوجع، ملوش مكان في الدلع.
يوم الخميس الصبح، الباب خبط. فتحت لقيت رامي واقف لوحده، دبلان وشكله منيمش بقاله أيام. كان شايل في إيده بوكيه ورد بلدي، من النوع اللي كان أبوه الله يرحمه بيجيبهولي.
بصيت له من ورا السلك
نزل راسه في الأرض وقال بصوت واطي مي سابت البيت يا أمي.. أخدت العيال وراحت عند أهلها. قالت لي مش هترجع غير لما ترجعي في كلامك وتكتبي البيت باسمي عشان تأمني مستقبل العيال.
ضحكت ضحكة قصيرة ومرة وهي لسه بتشرط وهي بره البيت؟ يا ابني مي مش باقية عليك، مي باقية على الحيطان والفرش. لو كانت بتحبك بجد، كانت خافت على شكلك قدام أمك.
رامي دموعه نزلت أنا ضعت يا أمي.. خسرتك وخسرت بيتي، ونسايبي بقوا بيعايروني إني ماليش كلمة في ملك أمي.
فتحت له الباب نص فتحة، مش عشان أضعف، بس عشان أديله الدرس الأخير اسمع يا رامي.. إنت ابني، وهتفضل ابني. بس البيت ده خط أحمر. أنا لا هكتبه باسمك ولا باسمها. الورق عند فاروق المحامي، والبيت ده هيتحول لمنفعة عامة بعد عمري، وده قرار مش هرجع فيه.
سكت شوية وكملت بصرامة عايز ترجع لمراتك؟ ده قرارك. بس لو رجعت لها، تعرفها إن إلهام اللي كانت ليتش بقت هي اللي معاها مفتاح حياتكم. مفيش مليم هيطلع مني تاني، ومفيش دخول للبيت ده غير بإذني، ولوحدك. مي وعيلتها عتبة البيت ده محرمة عليهم ليوم الدين.
رامي هز راسه بالموافقة، كان كأنه طفل تائه رجع لحضن أمه بس بعد ما خسر أغلى لعبة عنده.
متابعة القراءة