​مفتاح الكرامة حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

وصلت بيت المصيف بتاعي وكنت مستنية شوية هدوء.. بس لقيت في وشي مرات ابني وعيلتها كلها محتلين البيت. والألعن من كده، بصت لي في عيني وقالت إيه اللي جاب الست دي هنا؟ إحنا مش ناقصين زحمة ولا في مكان ليها.
ساعتها أنا ابتسمت.. عشان كنت عارفة إن قبل ما الشمس تغيب، هتفهم كويس هي غلطت في حق مين.
كل اللي كنت محتاجاه هو يومين راحة قدام البحر. في سني ده السبعين احتياجاتي بقت بسيطة صوت الموج، كوباية شاي في مجي القديم، وشوية سكون أستحقه بعد سنين شقى في تفصيل الهدوم ومداواة جروح الناس ومحاولة نسيان أحزان مابتخلصش.
بيت البحر ده كان هو روحي. اشتريته بعد وفاة جوزي بسنة واحدة. كل ستارة، كل لمبة، كل خدادية على الكرسي أنا اللي منقيّاها. زرعت الورد بإيدي، وصنفرت ترابيزة المطبخ بنفسي. ده المكان الوحيد اللي مفيش فيه مخلوق بيطلب مني حاجة.
أول ما دخلت بالعربية يوم الجمعة الظهر، والشنطة جنبي، وبدأت أشم ريحة اليود.. حسيت إن في حاجة غلط قبل حتى ما أبطل الموتور.
العربيات كانت مالية المكان.. مش عربية ولا اتنين، ده طابور سادد المدخل وراكن فوق النجيل. والمزيكا كانت عالية لدرجة إن شبابيك البيت بتتهز. وعيال معرفهمش بيجروا في الجنينة، وواحد منهم شاط الكورة في قوارير الورد بتاعتي كأنها

أقماع تدريب.
وبعدين شفتها.. مي، مرات ابني. واقفة في البلكونة، لابسة المريلة بتاعتي، وماسكة كاس في إيدها كأنها ملكة البيت.
لمحتني، رفعت راسها لفوق، وندهت على اللي وراها بصوت يشرخ إيه اللي جاب الست دي هنا؟ إحنا مش ناقصين زحمة ولا في مكان ليها!
لثانية واحدة، اتسمرت مكاني وافتكرت إني سمعت غلط. صوابعي قفلت على المفاتيح، وقلبي وجعني كأن في حاجة اتمزعت جوايا. وراها كان في ناس غريبة فارشين في البلكونة كأنهم مأجرين البيت. أمها نايمة على الكرسي الهزاز بتاعي، وأختها ولاء حاطة رجليها الحافية على ترابيزة القهوة. وتلات رجالة معرفهمش داخلين وخارجين ب كولمانات وتلج. وفي عيل بيتنطط بالجزامة على الكنبة. فوط مبلولة، وشباشب، وأكياس شيبسي، وأطباق أكل مرمية في كل حتة.
بيتي.. مكاني الهادي.. اتقلب سيرك وزيطة وقذارة.
قلت لها وصوتي بيترعش من الصدمة يا مي، ده بيتي. أنا بقضي كل إجازة هنا من عشرين سنة.
ضحكت.. مش بكسوف، ولا بإحراج.. ضحكت بقلة أصل والله يا طنط رامي قال لنا نقعد براحتنا. وبعدين إنتِ أصلاً مابتجيش هنا كتير، ولو قعدتي معانا هتقعدي تشتكي وتنادي على الهدوء وتنكدي علينا.
وقفت بشنطتي والناس الغريبة بتبص لي كأني أنا اللي تقيلة عليهم في بيتي!
سألتها فين رامي؟ كنت لسه عبيطة
ومستنية ابني يطلع يقول إن في سوء تفاهم.
مي نفخت بملل في الشغل طبعاً. رامي وراه مسؤوليات مش زيك. وبعدين بصت لي بصه كلها شماتة وقالت بصي يا طنط إلهام، البيت مليان على آخره والمطبخ زحمة، ووجودك هنا هيضايق الكل وهيخلينا مش واخدين راحتنا.
مرات ابني بتطردني من بيتي!
وبنت أختها المراهقة كملت الناقص وقالت ببرود ما تروح تآخد أوضة في لوكاندة وتريحنا!
الكل ضحك.. ضحكوا عليا.
ساعتها، حسيت ببرود غريب سكن جوايا. كان ممكن أصرخ، كان ممكن أعيط، كان ممكن أطلع العقد والورق وأقولهم إن البيت ده مدفوع تمنه مليم بمليم. بس أنا بلعت وجعي، ورسمت ابتسامة خفيفة وقلت فهمت يا حبيبتي.. عندك حق.
وش مي نور من الفرحة، افتكرت إن الطيبة ضعف، وافتكرت إني كبرت وخرفت. هي ماتعرفش إن الست اللي شافت اللي شفته في حياتها بتتعلم درس واحد أوعى تقاطع عدوك وهو بيغلط غلطة عمره.
لفت وركبت عربيتي ومشيت من غير ولا كلمة. وفي المراية شفت مي وهي بتضحك كأنها كسبت الحرب. هي متعرفش إني ماشية عشان أعمل تليفون واحد.
ركنت بعيد شوية، وطلبت الأستاذ فاروق، المحامي بتاعي من سنين.
أستاذ فاروق، عايزة أعرف بوضوح، إيه الإجراء القانوني مع ناس محتلين بيت مش بتاعهم وبدون إذن صاحبه؟
سكت ثانية وقال مين في بيتك يا حاجّة إلهام؟

حكيت له كل حاجة. رامي اللي ادى تصريح في ملك مش ملكه، ومي والناس اللي معاها، والإهانة اللي سمعتها.
فاروق رد بحزم ماترجعيش البيت لوحدك. استنيني مكانك. وقبل ما يقفل قال لي وعلى فكرة يا حاجّة، كويس إن ده حصل.. فاكرة لما قلت لك رامي ومي بيسألوا كتير عن عقد البيت وعايزينك تتنازلي؟ دلوقتي الصورة وضحت.
القطع بدأت تركب جنب بعضها.. مي وهي بتسأل البيت تمنه كام دلوقتي؟ رامي وهو بيقولي يا ماما مش كفاية عليكي شقة المدينة؟ كانوا بيخططوا ويورثوني بالحياة.
بعد ٤٠ دقيقة، كنت واقفة قدام باب البيت. بس المرة دي مش لوحدي. كان معايا فاروق، ومعاه أمين شرطة، ومعاهم نجار بشنطة عدته.. ومعايا الورق.
المزيكا كانت لسه شغالة، ومي كانت لسه بتضحك.. لحد ما شافت المنظر.
الضحكة اختفت، والوشوش اصفرت. فاروق اتكلم بمنتهى الهدوء يا جماحة، قدامكم نص ساعة بالظبط. اللي هيتأخر، حاجته هتترمى في الشارع وهنعمل محضر تعدي على ملكية غير.
مي بدأت تصرخ وتتصل برامي، بس رامي مكنش يقدر يعمل حاجة.. لإن البيت باسمي أنا بس.
قبل ما الشمس تغيب، كانت كل الشلل والملايات المبلولة وأكياس الشيبسي في الشارع. والنجار كان بيغير كالون الباب وأنا واقفة بكلم رامي في التليفون وبقوله جملة واحدة
البيت اللي كنت مستني تورثه
يا رامي، النهاردة الصبح
تم نسخ الرابط