رهان خلف القضبان شروق خالد
هتخلصني من الفقر!
خالد مسك فكها بقوة وقرب وشها منه وخلصتك يا روح أمك.. الذهب ده هو تمن حريتك، وتمن الرهان اللي كسبته بيكي. إنتي عارفة أنا قبضت فيكي كام على القهوة النهاردة؟
سما بانهيار وهستيريا رهان؟ رهان إيه؟ أنت بتقول إيه يا خالد؟ أنت أكيد بتهزر.. قول إنك بتهزر!
خالد زقها بعيد عنه بوقاحة مش وقته هزر.. دلوقتي الشنطة دي هتروح لواحد حبيبي يفكها، وإنتي هتفضلي معايا في شقة لحد ما نشوف هنعمل فيكي إيه. لومك وعتابك ده خليه لنفسك لما كنتِ بتسرحي في كلامي وتنسي مدرستك وبيتك. إنتي اللي بعتِ، وأنا بس قبضت التمن.
سما بدأت تصرخ وتخبط في العربية وهي بتنادي على أبوها يا بااااااابا! يا ريتني كنت مت معاك! يا رب خدني!
خالد بكل قسوة ضربها بالقلم عشان تسكت اسكتي! مش عايز أسمع صوتك! اللي زيك مالوش حق يصرخ.. إنتي اللي اخترتي خالد، وخالد مابيرحمش. اقعدي ساكتة لحد ما نوصل، وبلاش تخليني أرميكي في الشارع من غير الذهب ومن غير أهلك.. شوفي ساعتها مين هيلمك من الحارة اللي كنتِ قرفانة منها.
سما انكمشت في ركن العربية، حست إن الدنيا ضلمت في وشها بجد. الذهب اللي سرقته عشان تبني بيه حياتها، بقى هو السكين اللي خالد بيدبحه بيها. بصت من الشباك للسماء وهي بتكلم نفسها بجنون أنا ضيعت كل حاجة.. ضيعت الدنيا والأخرة عشان خاطر شيطان.
والعربية كملت طريقها في الضلمة، شايلة بنت ضاعت، وشاب قلبه ميت، وذهب مغموس بدموع وقهر أب بيموت.
خالد كمل سواقة وهو بيصفر ببرود مستفز، وسما كانت بتترعش جنب منه وصوت شهقاتها مالي العربية. فجأة موبايله رن، بص على الشاشة وضحك ضحكة صفرا، وفتح السبيكر عشان يحرق دمها أكتر.
صاحبه من الطرف التاني إيه يا وحش؟ القهوة كلها مقلوبة، بيقولوا البت سما فص ملح وداب وأبوها قطع النفس.. عملتها يا ابن اللعيبة؟
خالد عيب عليك يا زميلي، أنا قولت كلمة وطلعت قدها. السمكة في الشبكة، ومعاها تحلية تخلينا نفتح كافيه مش بس نقعد على القهوة.
صاحبه يا بختك يا عم، الرهان عندك والذهب عندك.. والبت بقى هتعمل فيها إيه؟
خالد بص لسما بنظرة خالية من أي رحمة بضاعة ووقعت في إيدي،
سما صرخت بكل قوتها إنت بتبيعني يا خالد؟ أنا بني آدمة! أنا حبيتك! إنت كنت بتضحك عليا طول الشهور دي عشان رهان؟
خالد قفل السكة ورمى الموبايل في الحجر بتاعه، وبكل قسوة مسكها من طرحتها ولوا دراعها حبيتي مين يا روح أمك؟ إنتي صدقتي نفسك؟ واحد عنده 35 سنة هيبص لعيلة عندها 15 سنة ليه؟ عشان جمالك الفتاك؟ إنتي كنتِ مجرد تسلية وطقم ذهب غالي.. وأهو جالي لحد عندي.
سما بصوت مبحوح ومكسور نزلني.. نزلني هنا، خد الذهب وخد كل حاجة وسيبني أرجع لأمي.. أرجوك يا خالد، أنا ماليش حد.
خالد ترجعي فين؟ إنتي عارفة الحارة بيعملوا إيه في اللي زيك؟ إنتي دلوقتي سيرتك على كل لسان، وأبوكي لو مات هتبقي إنتي القاتلة في نظرهم. مفيش رجوع.. إنتي دلوقتي ملكي، أوديكي هنا، أجيبك هنا، إنتي مابقتيش تملكي حتى نفسك.
سما انهارت تماماً، بدأت تضرب راسها في زجاج العربية وهي بتصوت يا بابا يا حبيبي! يا ريتني كنت سمعت كلامك! يا ريت الأرض انشقت وبلعتني قبل ما أشوف الوش ده!
خالد بكل برود طلع سيجارة وولعها، والدخان ملى العربية، وبص للشنطة اللي فيها الذهب وسحب منها غويشة وفضل يقلبها في إيده قدام عينيها شايفة دي؟ دي تمن دمعك وتمن أبوكي وتمن شرفك.. وإنتي اللي قدمتيها لي على طبق من فضة. اقعدي بقى ساكتة عشان إحنا داخلين على الشقة، ومش عايز اسمع حسك، وإلا ورب العزة هرميكي لصحابي في القهوة يتسلوا بيكي ببلاش.
سما سكتت تماماً، عينيها بقت زي القزاز، خالية من أي روح. حست إنها ماتت فعلاً مع أول سجدة لأبوها على الأرض، وإن اللي راكبة العربية دي مجرد جثة، خالد بيساوم عليها عشان يكمل سهرته.
وصل خالد قدام عمارة قديمة في منطقة مقطوعة، ركن العربية وبص لسما ببرود وهو ماسك شنطة الذهب في إيده.
خالد انزلي.. مش عايز حركة ولا صوت، المنطقة هنا مابتنامش، وأي حركة غدر منك هتموتي فيها قبل ما تقولي يا فكيك.
سما بصوت مرعش وهي مش قادرة تقف على رجليها أنا مش هنزل.. أنت واخدني فين؟ أنت قولتلي شقة زوجية، قولتلي هنبدأ حياة جديدة!
خالد بضحكة عالية مستفزة حياة جديدة؟ إنتي
سما بتمسك في قميصه بانهيار خالد.. أبوس إيدك، خد الذهب، خد كل حاجة وسيبني أمشي.. أنا عايزة أروح لأمي، عايزة ألحق جنازة بابا!
خالد بيزق إيدها بقسوة جنازة مين يا هبلة؟ إنتي هربانة بذهب وسرقة، وأبوكي مات بسبك.. لو رجعتي الناس هتاكلك حية. ادخلي وانتي ساكتة بدل ما أسلمك للشرطة بالشنطة دي وأقول إني لقيتك في الشارع وبحاول أساعدك.
سما بشهقات وجع أنت شيطان.. إزاي كنت بتمثل الحب ده كله؟ إزاي كنت بتقولي يا مراتي؟ كنت بتسهر معايا بالساعات في التليفون عشان توصل للحظة دي؟
خالد وهو بيفتح باب الشقة وبيدفعها لجوه الساعات دي كانت استثمار.. وتعب السهر جاب تمنه أهو بيشاور على الذهب. الحب ده للعرسان اللي في سنك، مش لواحد زيي فاهم الدنيا صح. إنتي كنتِ ران run وكسبته، ودلوقتي إنتي عبء وبحاول أخلص منه بأقل خسائر.
سما بتبص للشقة الفاضية برعب يعني إيه؟ هتعمل فيا إيه يا خالد؟
خالد بيلف وشها ليه وبنبرة تهديد واضحة هتقعدي هنا.. لا تليفون، ولا شباك يتفتح. والذهب ده أنا هاخده دلوقت أتصرف فيه، ولما أرجع.. هقرر إذا كنتي تلزميني، ولا أبيعك لغيري زي ما بعتي أهلك بالرخيص.
سما وقعت على الأرض بتصرخ يا بااااااابا! يا أمي! سامحوني.. أنا اللي عملت في نفسي كدة! أنا اللي صدقت الكداب وبعت الغالي بالرخيص!
خالد وهو بيقفل الباب بالمفتاح من بره وفري صراخك.. محدش هيسمعك هنا. الحارة نسيتك، وأبوكي ارتاح، وأنا قبضت التمن.. تصبحي على جحيم يا سما.
مرت ساعات وسما محبوسة في الشقة، الضلمة بتاكل في أعصابها لحد ما سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب. دخل خالد، بس المرة دي ريحة السجاير مكمكمة في هدومه وعينيه فيها نظرة شر مرعبة.
سما بلهفة مرعوبة خالد! أنت جيت؟ عملت إيه في الذهب؟ والجواز يا خالد.. أنت قولتلي هنكتب الكتاب أول ما نخرج من الحارة!
خالد بيقلب جيوبه الفاضية وبيرمي المفاتيح على الترابيزة بغل جواز إيه وكتب كتاب إيه يا بت إنتي؟ إنتي لسه عايشة في الوهم؟
سما بصدمة نصه قشرة؟ ده دهب أمي! ده شقى عمرها! يعني إيه مجبش تمن؟ أنت وديته فين يا خالد؟
خالد بيقرب منها وبيمسكها من دراعها بيلويه ورا ضهرها وديته في المكان
اللي يريحني.. والرهان اللي كسبته بيكي، أصحابي قالوا إنه ميكملش إلا لما تطلعي تمن الخسارة اللي خسرتهالي في الذهب ده.
سما بصراخ قصدك إيه؟ أنت عايز مني إيه تاني؟ أنا ضيعت أهلي وشرفي وبيتي.. عايز إيه تاني!
خالد بصوت واطي وبارد زي التلج عايزك تسددي اللي عليكي.. في ناس بره مستنيين، دفعوا فيكي مبلغ محترم عشان يتسلوا شوية، وبما إنك هربانة وملكيش حد يسال عليكي، فمحدش هيعرف لك طريق.
سما بتتنفض وبتحاول تبوس إيده بانهيار لا يا خالد! أبوس رجلك لا! اقتلني بس متعملش فيا كدة! أنا حبيتك.. أنا صدقتك! أنا كنت بنسى المدرسة وبسرح في كلامك وأنا فاكرة إنك هتحميني!
خالد بيزقها على الأرض وبيرفس الشنطة اللي كانت لامة فيها هدومها الحماية دي للي بتسمع كلام أبوها وأمها.. إنتي بعتيهم عشان بوسة في الهواء وكلمتين حلوين، تفتكري أنا هصونك وأنتي خاينة لأقرب الناس ليكي؟
سما بصوت ميت من القهر أنت اللي موتُّه.. أنت اللي سممت عقلي بكلامك.. يا رب خذني يا رب!
خالد بيفتح الباب وبينادي بصوت عالي ادخلوا يا رجالة! العضمة طرية والرهان لسه مخلصش.. اللي يدفع أكتر يشيل!
سما بتبص للباب وشافت أصحاب خالد بتوع القهوة داخلين وهما بيضحكوا نفس الضحكة الخبيثة بابا.. سامحني يا بابا.. أنا اللي قتلتك.. أنا اللي قتلت نفسي.
خالد وهو خارج من الشقة وماسك رزمة فلوس في إيده سلام يا سما.. أبقي احكي للي جوه دول عن فارس أحلامك اللي كان بيسهر معاكي في التليفون.
سما آخر كلمة نطقتها وهي بتنكمش في ركن الأوضة والدموع جفت في عينيها يا ريتني مت مع أبويا.. ولا عشت اللحظة دي.. الغالي لما يتباع بالرخيص، تمنه بيكون الدم.
خالد قفل الباب وراه وسمع صرختها الأخيرة، كمل طريقه وهو بيعد الفلوس ببرود، وسما انتهت حياتها في شقة ضلمة، ضحية ل ران ورهان على قهوة، وسرحان في وعود
رهان خلف القضبان
شروق خالد