رهان خلف القضبان شروق خالد
كانت سما ماشية في طريقها المعتاد للدرس، شايلة شنتطها وهمومها الصغيرة، وفجأة وقفت قدامها العربية السوداء. نزل خالد، وبكل شياكة وابتسامة مرسومة بالمللي، قرب منها وناداها باسمها كأنه يعرفها من سنين.
خالد أنا آسف لو خضيتك، بس بقالي كام يوم بشوفك ماشية والسرحان واكل وشك.. خسارة الجمال ده كله يشيل هم، إنتي مكانك مش هنا خالص، إنتي مكانك فوق في العالي.
سما وقفت مكانها، قلبها بيدق لدرجة إنها حست بصوته في ودنها. كلامه كان ناعم زي الحرير، وعينيه فيها نظرة اهتمام عمرها ما شافتها في بيتهم اللي مابيعرفش غير ذاكري و اسكتي.
خالد مش هعطلك عن درسك، بس ده رقمي.. لو احتجتي في يوم حد يسمعك بجد، حد يقدر قيمتك كأنثى مش كطفلة، أنا موجود.
ومن اليوم ده، حياتها اتقلبت. الدرس بقى مجرد حجة عشان تقعد في ركن بعيد وتكلمه. كل يوم كان بيبني لها قصر في الهوا بكرة هجيبلك العربية اللي بتحلمي بيها، بكرة هنسكن في فيلا مفيهاش حد يقولك بتعملي إيه، أنا هعوضك عن حرمانك ونقص الحنان اللي شفتيه.
سما بقت تمسك الموبايل طول الليل تحت البطانية، وعينيها بتلمع وهي بتسمع صوته الرخيم إنتي مش زي أي بنت قابلتها يا سما، إنتي الوحيدة اللي دخلت قلبي وهتكوني مراتي وأم ولادي.
البت بدأت تغيب عن الوعي بالواقع تماماً. المدرسين بيشتكوا من سرحانها، كتبها بقت مليانة قلوب وحرف خ، ومستواها نزل للأرض. بس هي مكنتش شايفة ده، كانت شايفة نفسها بالفستان الأبيض وجنبه فارس أحلامها اللي بيخلصها من قيود أهلها.
أبوها وأمها الغلابة كانوا بيشتغلوا ليل نهار عشان يوفروا لها حق الدروس، وهما مش عارفين إن بنتهم بقت جسد بس، أما روحها
بقت تقعد تتخيل حياتها معاه، وتنسى حتى تاكل. كانت بتقول لنفسها مش مهم التعليم، خالد هيعلمني الدنيا.. مش مهم أهلي، خالد هو أهلي ودنيتي. وبدأت الخطة ترسم نفسها في خيالها المريض بحبه، وهي مش عارفة إن كل كلمة حب بيقولها، بيتبعها ضحكة سخرية منه وهو بيقفل السكة.
خالد كان قاعد على القهوة وسط أصحابه، التربيزة كلها عيونها عليه وهما بيضحكوا وبيهزروا، والرهان واصل لأخره. خالد طلع الموبايل وبص في الساعة وقالهم بثقة عدّوا معايا.. تلاتة، اتنين، واحد.. بصوا هناك.
في اللحظة دي، ظهرت سما من بعيد وهي شايلة شنطة الدرس، كانت ماشية ورجليها مش شايلاها من الفرحة إنها هتشوفه. أول ما لمحت خالد قاعد، وشها نور ووقفت بعيد شوية وهي مكسوفة، بس عينيها كانت مليانة حب وانبهار.
خالد، قدام أصحابه وعشان يثبت لهم إنه صياد ملوش زي، رفع إيده وبكل جراءة وبطء، بعت لها بوسة في الهواء وهو بيغمز لها بعينه وبيرسم ابتسامة واثقة على وشه.
سما في اللحظة دي الدنيا لفت بيها، حست إنها ملكة جمال العالم، ضحكت بكسوف وبسرعة غطت وشها باديها وكملت مشيها وهي طايرة في خيالها، مش شايفة أصحابه اللي ميتين من الضحك وراه، ولا سامعة كلامهم.
صاحبه وهو بيخبط على التربيزة يخرب بيت عقلك يا خالد! البت دايبة، دي خلاص باعت القضية.
خالد بضحكة خبيثة قولت لكم.. العيلة دي بقت في جيبي، بكرة بالليل الرهان يخلص وتشوفوا سما وهي بتهرب من بيت أهلها عشان خاطر عيوني.
سما كانت ماشية في شارعها سرحانة، بتتخيل البوسة دي وكأنها وعد بالجواز، مش عارفة إن البوسة دي
دخلت سما البيت وهي مغيبة تماماً، عينيها بتلمع بفرحة مزيفة وقلبها عمال يعيد مشهد البوسة اللي بعتها خالد قدام القهوة. دخلت أوضتها ورمت الشنطة من إيدها، وفجأة تليفونها رن. كان خالد.
سما بهمس ملوع وبصوت واطي ألو.. يا خالد، حرام عليك اللي عملته فيا النهاردة، أنا كنت هموت من الكسوف قدام الناس.
خالد بخبث وصوت ناعم يا روحي أنا مقدرتش أمسك نفسي لما شفتك، كنت عايز أقول للعالم كله إنك بتاعتي. ها يا سما.. جهزتي نفسك؟ بكرة هنكون في بيتنا، بعيد عن تحكمات أبوكي والعيشة اللي خنقاكي دي.
سما وهي بتسرح بخيالها وبتبص للسقف أنا جهزت كل حاجة يا حبيبي.. أنا بعت الدنيا كلها عشانك. مش مهم أي حد، المهم أكون معاك. أنا بكرة أول ما بابا ينزل الشغل، هخرج ومش هرجع تاني.. أنا بحبك قوي يا خالد.
في اللحظة دي، كان أبوها طالع من الصالة رايح ناحية الحمام، لكنه وقف فجأة زي الصنم لما سمع صوت همس بنته من ورا الباب. قرب ودنه ببطء وقلبه بدأ يدق بعنف، وسمع الجملة اللي نزلت عليه زي الصاعقة أنا بكرة ههرب معاك يا خالد.. ماليش دعوة ببابا ولا بماما، أنا عايزة أعيش حياتي.
الأب اتجمد مكانه، الدموع جفت في عينه من الصدمة، وإيده اللي كانت ساندة على الحيطة بدأت تترعش. بنته الوحيدة، سما اللي بيشقى عشانها، بتخطط تهرب مع واحد غريب وبتقول مش مهم أهلي.
سما لسه مكملة في التليفون وهي مش حاسة إن الموت واقف ورا الباب أيوه يا خالد.. هجيب معايا الذهب بتاع ماما عشان نبدأ بيه حياتنا.. ماتتأخرش عليا بكره، أنا مستنية اللحظة دي من زمان.
أبوها
الأب فضل واقف مكانه لثواني، الدنيا بتلف بيه، وصوت سما وهي بتضحك بدلع في التليفون وتقول خلاص يا حبيبي بكره هكون عندك كان بيتردد في ودنه زي صفارة حريقة. فجأة، حاس بتقل رهيب في صدره، كأن جبل نزل عليه، ونفسه اتفطم تماماً.
إيده سابت أكرة الباب، ورجليه مابقتش شايلاه، ووقع على الأرض جتة هامدة قدام باب أوضتها. الوقع كانت تقيلة، بس سما كانت في عالم تاني خالص.. كانت حاطة الهاند فري في ودنها، وبتتخيل الفستان الأبيض والعربية السوداء اللي خالد وعدها بيها.
خالد في التليفون إنتي معايا يا سما؟ روحتي فين؟
سما بهيام معاك يا حبيبي.. معاك في كل خطوة. أنا بس كنت بتخيل شكلي وإحنا ماشيين سوا وبنسيب الدنيا دي ورا ظهرنا.
خالد بضحكة خبيثة هتكوني أجمل عروسة.. يلا نامي دلوقتي عشان تصحي فايقة للرحلة بتاعتنا.
سما قفلت التليفون وهي بتبتسم، المخدة وقعدت تتمرجح بخيالها، مش دارية إن السند الوحيد اللي كان شايلها في الدنيا مرمي ورا باب أوضتها، قاطع النفس، وعينه مفتوحة للسقف بذهول وقهر من بنته اللي ضحت بيه في لحظة طيش.
برا في الصالة، الهدوء كان مرعب.. الأم كانت في المطبخ بتعمل عشا لبنتها اللي راجعة من الدرس تعبانة، ومنتظرة جوزها يخرج من الحمام عشان ياكلوا سوا، وهي مش عارفة إن البيت اللي كان مستور، انهار سقفه فوق دماغهم كلهم في ليلة واحدة.
سما قامت من على سريرها ببطء، وقررت تخرج تشرب مية قبل ما تنام وتستعد