رهان خلف القضبان شروق خالد
المحتويات
الأوضة، وأول ما خطت رجلها برا، حست بحاجة تحت جزمته.. بصت لتحت، وطلعت منها صرخة مكتومة شقت سكون الليل.
سما بصت لأبوها المرمي على الأرض بذهول، للحظة شافت ملامح القهر في وشه، بس الخوف كان أقوى من الرحمة. في عقلها المراهق، كان كل اللي شاغلها هو لو فاق دلوقتي هيقتلني، هيحرمني من خالد، هيحبسني ويدفن شبابي.
الرعب من المواجهة غطى على حبها لأبوها. وبدل ما تصرخ وتطلب الإسعاف، جرت على أوضتها وهي بتترعش. طلعت شنطتها وبدأت تلم هدومها بهستيريا. شافت علبة الذهب بتاعة أمها اللي كانت سايباها في الأوضة عشان تنظف مكانها؛ ذهب العمر وشقى السنين، مسكته سما وحطته في الشنطة وهي بتقول لنفسها ده اللي هيبدأ لي حياتي مع خالد.. هو هيعوضني.
فتحت الشباك وبصت لآخر مرة على أبوها اللي بدأ يطلع أنفاس مكتومة وصعبة، وقلبها قسي تماماً تحت تأثير كلام خالد المزيف. اتسحبت ببطء من جنب جثته المرمية، وفتحت باب الشقة بهدوء قاتل، ونزلت تجري على السلم وهي بتعيط ومنهارة، بس مش على أبوها، كانت خايفة الهروب يفشل.
أول ما وصلت الشارع، طلعت التليفون وطلبت خالد وهي بتنهج خالد! أنا هربت.. أنا في الشارع والذهب معايا، تعال خدني دلوقتي يا خالد، أنا ماليش غيرك!
وفي البيت، كانت الأم لسه في المطبخ بتدندن أغنية، مش عارفة إن جوزها بيموت في الصالة، وبنتها هربت باللي وراها واللي قدامها، وسابت وراها بيت بينهار للأبد.
خالد قام مفزوع من على السرير، صوته في التليفون كان فيه نبرة غضب مش حب إنتي اتجننتي؟ تهربي إيه دلوقتي؟ أنا قولتلك بكرة لما أرتب حالي وأجهز المكان.. إنتي بوظتي كل حاجة، إنتي عملتي إيه في نفسك وفيّا؟
سما وهي بتجري في
خالد قفل السكة في وشها وهو بيشتم وسند راسه بإيده، الرهان اللي كان بيتسلى بيه قلب حقيقة سودة هو مش مستعد ليها.
في الوقت ده، الأم خرجت من المطبخ وهي ماسكة صينية الأكل وبتقول بضحكة طيبة يلا يا أبو سما، يلا يا حبيبتي الأكل جاهز..
فجأة الصينية وقعت من إيدها واترزعت على الأرض.. شافت جوزها ورفيق عمرها مرمي زي الجثة، وشه أزرق ونفسه مقطوع. صرخت صرخة شقت سكون البيت محمد! رد عليا يا محمد! يا خرابي.. يا لهوي يا ناس الحقوني!
جرت بهستيريا على أوضة بنتها وهي بتصوت سما! إلحقي أبوكي يا سما! يا بت ردي عليا!
فتحت الباب لقت الأوضة ضلمة، الدواليب مفتوحة، والسرير فاضي.. بصت لقت باب الشقة مفتوح على البحري، وعلبة الذهب اللي كانت بتشيل فيها شقى العمر فاضية على الأرض.
الأم وقعت في مكانها تلطم على وشها وتصوت بصوت هز العمارة كلها يا مصيبتي! البت هربت! البت ضاعت وأبوها بيموت! إلحقوني يا ناس! يا فضيحتي السودا يا محمد!
في ثواني، الجيران كلهم كسروا باب الشقة ودخلوا.. اللي بيحاول يفوق في الأب، واللي ماسك الأم اللي كانت بتخبط راسها في الحيطة وهي بتشاور على أوضة بنتها الفاضية وبتقول خانتنا.. سرقتنا وهربت.. يا كسر ضهرك يا محمد يا عيني!
البيت اللي كان مستور اتقلب لميتم في لحظة، وصوت صراخ الأم كان واصل لآخر الشارع، في الوقت اللي سما كانت فيه واقفة تحت عمود نور، مستنية فارس أحلامها اللي قفل التليفون في وشها وسابها تواجه مصيرها لوحدها.
خالد وهو سايق عربيته، كان بيشتم في الحارة وفي اليوم
خالد بزعيق مكتوم وهو بيشدها من إيدها يركبها العربية انزلي من على الرصيف ده فضحتِينا! إنتي عارفة إنتي عملتي إيه؟ إنتي خربتي الدنيا قبل ما تبدأ!
سما وهي بتنهج ومنهارة من العياط خالد.. بابا مات يا خالد.. أنا شفته وهو بيقع قدامي وما قدرتش ألمسه. أنا ضيعت أهلي عشانك.. ماليش غيرك في الدنيا دي خلاص، اوعى تسيبني!
خالد بيطبطب على ضهرها بجمود وعينه مش معاها أصلاً، عينه بتدور في أرضية العربية لحد ما وقعت على الشنطة خلاص يا سما.. اهدي.. اللي حصل حصل، والضعيف ملوش مكان وسطنا. أنا قسيت عليكي في التليفون عشان خفت عليكي، خفت يمسكوكي ويضيعوكي مني.
سما بترفع راسها وبتبصله بقهره إنت كنت بتبعدني عنهم وتقولي إنهم سجن.. بس أنا دلوقتي حاسة إني عريانة من غيرهم. إنت بجد هتعوضني يا خالد؟ بجد هتتجوزني وتستر عليا؟
خالد بيمسح دموعها بإيد، وبالإيد التانية بيسحب الشنطة ببطء يفتحها ويشوف لمعة الذهب طبعاً يا هبلة.. إنتي دلوقتي بقيتي شريكتي. وبعدين إيه الذهب ده كله؟ ده إنتي طلعتي شاطرة وطلعتي حقك من الحارة الفقرية دي ومن أهلك اللي كانوا حارمينك.
سما بصدمة من كلامه حقي؟ ده دهب أمي يا خالد.. ده شقى عمرهم. أنا جبته عشان نعيش بيه، عشان إنت قولت إنك لسه بتجهز نفسك.
خالد بنبرة فيها قسوة ومكر وماله.. ده أقل واجب يقدموه ليكي ولحياتك الجديدة معايا. بصي يا سما.. لوم وعتاب وبكاء مش عايز. إنتي اخترتي الطريق ده، يبقى تمشي فيه للآخر وتنسي إن كان ليكي أب وأم. أنا دلوقتي
سما سكتت وبصت للفراغ، حست لأول مرة بنبرة في صوته غريبة، نبرة واحد مش بيحب، واحد بيجرد غنيمة.
خالد وهو بيدور العربية وبيبتسم بانتصار وعينه على الذهب يلا بينا.. ليلتنا لسه طويلة، وعايزين نلحق نصرف الحق ده قبل ما الحارة كلها تصحى.
سما كانت بتبكي في صمت، وهي شايفة ملامح فارس أحلامها بتتغير تحت ضوء العواميد، وكأنها بدأت تكتشف إنها هربت من بيحميه، لسجن هي اللي دفعت تمن قفله بالذهب والدم.
خالد طلع بالعربية بأقصى سرعة وهو بيبص في المراية، ملامحه كانت متغيرة تماماً، مابقاش فيها ذرة الحنان المزيفة اللي كان بيمثلها طول الشهور اللي فاتت.
سما بصوت مخنوق وهي بتفرك إيديها برعب إحنا رايحين فين يا خالد؟ أنت ليه ماشي بسرعة كدة؟ أنا خايفة حد يلحقنا.. أنا حاسة إن روح بابا بتطاردني.
خالد بضحكة باردة وهو بيبص للشنطة اللي جنب رجله روح إيه وبتاع إيه؟ فوّقي يا شاطرة، إنتي دلوقتي في مركب خالد، والمركب دي مابتغرقش. إحنا هنبعد عن المنطقة دي خالص، وهنروح مكان مابيدخلش فيه غير اللي جيبه عمران زينا دلوقتي.
سما بتبصله بذهول زينا؟ خالد.. أنت بتتكلم عن الذهب كأنه هو المهم! أنا سألتك هنتجوز إمتى؟ أنا سبت ورايا فضيحة، وأمي زمانها بتموت، أنا محتاجة أحس إنك لسه سندي.
خالد فرمل العربية فجأة في حتة مقطوعة، وبص لها بنظرة خلت قلبها يقع في رجليها سند؟ اسمعي يا بت إنتي، الكلام اللي كان في التليفون ده كوم، واللي جاي كوم تاني خالص. إنتي دلوقتي عيلة هاربة بسرقِتها، يعني قانوناً إنتي مجرمة.. فبلاش نبرة الست الشريفة دي وتعيشي الدور عليا.
سما بصدمة مجرمة؟ أنا مجرمة عشان صدقتك؟ أنت كنت
متابعة القراءة