المطر كان بيخبط في شبابيك المستشفى كأنه عايز يكسرها، والهواء بيصرخ في الممرات زي روح تايهة بتدور على حقها، وزينة كانت ممددة على السرير الأبيض، جسمها مرهق لكن عينيها مفتوحة بثبات غريب، مش ضعف ولا استسلام… ده كان هدوء اللي أخد قراره خلاص، جنبها أبوها منصور السيوفي واقف زي جبل، شايل حفيده لأول مرة، وباصص له بنظرة فيها حنان ممزوج بغضب مكتوم، الغضب اللي بيهد دول مش بيوت بس، سألها بهدوء: "مستعدة؟" فردت بنفس الهدوء: "جاهزة من زمان يا بابا… أنا بس كنت مستنية اللحظة الصح"، ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "يبقى خلاص… الليلة دي بداية النهاية"، وفي نفس اللحظة، كان ياسين قاعد في الشقة، ضحكته مالية المكان، فاتن جمبه بتشرب عصير ومش قادرة تخبي فرحتها، وأمه ليلى بتتحرك في البيت كأنها ملكة أخيراً خلصت من منافستها، وفجأة الباب خبط، خبط تقيل، مش خبط حد عادي، ياسين قام متضايق وفتح، لقى قدامه رجالة ببدل سودا،
نظراتهم جامدة، واحد منهم قاله بهدوء مرعب: "الأستاذ ياسين؟ مطلوب تتفضل معانا"، ضحك بسخرية: "هو إيه الهزار ده؟" الرجل رد: "مفيش هزار… دي بداية الحساب"، وقبل ما يفهم، كان اتشد من دراعه واتاخد بالعافية، ليلى صرخت وفاتن جريت وراه، لكن محدش عبرهم، وفي أقل من ساعة، كان ياسين قاعد في مكتب فاخر جداً، أول مرة يشوف فخامة بالشكل ده، قلبه بدأ يدق بسرعة وهو شايف منصور السيوفي داخل عليه، رجله على الأرض ليها صوت تقيل، قعد قدامه وقال بدون مقدمات: "فاكر زينة؟" ساعتها بس، الدنيا لفت بيه، صوته طلع متقطع: "زينة؟!" منصور قرب وشه وقال: "دي بنتي… اللي رميتها في الشارع وهي حامل"، ساعتها الرعب الحقيقي دخل قلبه، حاول يتكلم بس لسانه اتشل، منصور كمل: "أنا كنت سايبك… كنت براقب… كنت مستني أشوف آخرك، وإنت وصلت لأوسخ نهاية ممكنة"، في نفس الوقت، كانت ليلى وفاتن بيروحوا القسم يبلغوا عن اختطاف، لكن قبل ما يخلصوا كلامهم،
ظابط دخل ومعاه أوراق وقال: "ليلى… وفاتن… أنتم مطلوبين للتحقيق في بلاغات نصب وتشهير ومحاولة قتل"، الصدمة خلتهم مش قادرين ينطقوا، الدنيا قلبت عليهم في لحظة، وفي الأيام اللي بعدها، كل حاجة بدأت تقع… شغل ياسين اتقفل، اسمه اتحط في كل القوايم السودا، أصحابه اختفوا، الحسابات اتجمدت، الشقة اتسحبت منهم قانوني، لأن العقد كان فيه تلاعب اكتشفوه فجأة، ليلى بقت بتلف على المحامين ومحدش راضي يقف معاها، فاتن اتسربلها فيديوهات وهي بتخطط مع ليلى ضد زينة، والناس كلها بقت بتتكلم، مش بس كده… زينة بنفسها رفعت قضية، بس مش قضية عادية، قضية مدعومة بالأدلة، تسجيلات، فيديوهات، تقارير طبية تثبت الاعتداء والإهمال ومحاولة الإيذاء وهي حامل، الجلسة كانت زحمة، الإعلام كله حاضر، وزينة دخلت القاعة بثبات، لابسة أبيض بسيط لكن هيبتها مالية المكان، ياسين أول ما شافها حاول يبص في الأرض، مش قادر يواجهها، القاضي سألها: "تحبي
تقولي حاجة؟" قالت بهدوء: "أنا سكت كتير… مش خوف، بس كنت بسيبهم يكشفوا نفسهم… والنهارده أنا باخد حقي بالقانون"، الحكم كان قاسي… سجن ليلى وفاتن بتهم متعددة، وتعويض مالي ضخم لزينة، وياسين خسر كل حاجة، اتسجن هو كمان بعد ما ثبتت عليه التهم، وخرج بعدها بسنين إنسان مكسور، محدش عايز يعرفه، وفي يوم من الأيام، وقف قدام مستشفى زي اللي رمى فيها زينة، بس المرة دي هو اللي كان محتاج حد يساعده، شاف عربية فخمة بتقف، وبنت صغيرة بتنزل تمسك إيد أمها، بص كويس… كانت زينة، ومعاها ابنها، كبر وبقى شبهها، بصت له لحظة، لا شفقة ولا كره… مجرد لا شيء، كأنه مش موجود، وركبت عربيتها ومشيت، وساعتها بس فهم… إن أقسى عقاب مش السجن ولا الفلوس… أقسى عقاب إنك تبقى ولا حاجة في حياة حد كان كل حياتك، وزينة كملت حياتها، قوية، هادية، زي ما كانت دايماً… بس الفرق إن المرة دي، محدش يقدر يكسرها تاني، لأن الأسد اللي جواها… صحى خلاص.