قصه قصيره بعنوان الزواج المزيف بقلم أيسل هشام
"أنا فاضلي ست شهور بس في الدنيا. اتجوزيني وخلفي مني طفل، وساعتها عيلتك عمرها ما هتعرف العوز تاني."
قال كده راجل غني صاحب أراضي بصوت هادي كأنه بيتكلم في صفقة.
في قرية صغيرة في محافظة المنيا، المكان اللي الشتاء فيه طويل والطين بيمسك في الجزم كأنه مش عايز يسيبها، الناس هناك ما بيصدقوش المعجزات.
هم بيؤمنوا بحاجة تانية… بالتعب، وبالإيدين اللي خشنت من الشغل، وبالاختيارات الصعبة… وبإن أي حاجة شكلها حلوة زيادة عن اللزوم أكيد وراها تمن.
لبنى اتربت على الفكرة دي.
كانت عندها عشرين سنة بس. حياتها ريحتها لبن وقش وفجر ساقع، وجزمها عمرها ما نشفت من الطين.
قبل الشمس ما تطلع كانت بتكون خلصت ساعات شغل… إيديها متجمدة من علب اللبن المعدنية ومن البهايم اللي لازم تتحلب كل يوم.
عيلتها زمان كانت عايشة مستورة.
لكن بعدها حصل الجفاف… وبعدين الديون… وبعدين رجالة لابسين بدل شيك شايلين ملفات كبيرة.
أبوها حسن عبدالعال حاول
ده كان غلط من اليأس… مش من الشر.
برضه… دخل السجن.
الجدران الباردة فصلته عن مراته فاطمة وعن بنته لبنى، اللي فضلت عايشة في البيت الخشب القديم اللي بيتحرك مع كل هوا قوية.
فاطمة كانت تعبانة أصلاً… ومع الوقت صحتها بقت أسوأ.
إيديها بترتعش طول الوقت… وجسمها مرهق.
كل مرة يروحوا للدكتور كانت تحسها حكم جديد… خصوصًا لما تعرف تمن العلاج.
الفلوس ما كانتش بتكفي.
رغيف العيش بقى غالي كأنه دهب.
لبنى اشتغلت في كل مكان تقدر عليه…
في الأراضي المجاورة، في الجمعية الزراعية، كانت شايلة شوالات تقيلة أكتر من وزنها.
كانت بتاكل أقل عشان أمها تاكل أكتر.
أوقات كتير، لما الليل ييجي والبيت يهدى، كانت تقعد جنب الشباك تبص للطريق الطويل… ومش عارفة بكرة هيحتاج منها إيه.
لحد ما يوم واحد دخل حياتهم كريم منصور.
راجل غني… عنده حوالي أربعين سنة.
بدايته
رايح لبيتهم عربيته سودا لامعة غريبة على الأرض اللي اتشكلت بالتعب.
دخل البيت ومضيعش وقت في الكلام المهذب.ايسل هشام
قدام فاطمة قال بهدوء:
— أنا هسدّد كل الديون… هأخد علاج أمك… وأطلع أبوكي من السجن بدري.
— عيلتكم عمرها ما هتعاني تاني.
بس في مقابل حاجة واحدة…
الكلام اللي قاله خلّى قلب لبنى يقف.
كريم قال إن الدكاترة قالوله إنه فاضله ست شهور بس في الدنيا…
وهو مش عايز يقضي الست شهور دي لوحده.
عايز يسيب وريث…
وعلشان يحصل كده، لبنى لازم تتجوزه وتخلف منه طفل في الست شهور.
لبنى حست بالخجل… الإهانة… والغضب… وبعدين حسبت الموضوع منطقي.
أمها تعبانة.
أبوها في السجن.
واليأس كان ضاغط على صدرها شهور.
كريم هيموت بعد ست شهور.
هي بس محتاجة تتحمل.
وعيلتها هتعيش.
فوافقت.
الجواز كان سريع وهادئ.
مفيش فستان أبيض… مفيش ورد…
بس توقيعات وأوراق رسمية.
كريم خدها في قصره على أطراف
كريم كان رسمي… بعيد… ومحادثاتهم كلها عن أوراق وقوانين وتنظيم.
كانوا نايمين في أوض منفصلة.
لحد ما في ليلة، كريم جه عند باب لبنى، هادي كأنه بيتكلم عن عقد أرض، وقال:
— الواجب لازم يتعمل دلوقتي.
هو مكانش عنيف… بس كمان مكانش دافي…
كان ميكانيكي… عامل شغله كواجب.
الليلة دي، لبنى حسّت إن في حاجة غلط في البيت…
الصمت كان عميق… شبه صناعي.
وقفت ومشت في الرواق…
ولاحظت نور من مكتب كريم… الباب شوية مفتوح.
بحدسها، قربت.
على المكتب كانت أوراق من الدكاترة.
التقرير واضح: كريم سليم تمامًا… لا مرض… لا ست شهور… لا حاجة.
وتحت التقرير، عقود رسمية…
لو لبنى خلفت طفل في الست شهور، كريم يرث كل ميراث عمته المتوفية.
لو مفيش طفل، الجواز ممكن يتفسخ ولِبنى تفقد كل الحقوق.
لبنى اكتشفت الحقيقة… هي مش زوجة… هي أداة.
في الفجر، لبنى خرجت حافية… من غير خطاب… من غير شنطة… رجعت