خلف الستائر المقفولة حكايات شروق خالد
بعد ٦ ساعات، وائل وصل البيت زي المجنون. دخل لقى أمه قاعدة بتعيط (تمثيل طبعاً) وماسكة منديل:
— "يا ضنايا، تعبت قلبي. الست اللي كنت فاكرها صاينة بيتك، سابته في أول شدة عشان لقت شغل أحسن في محافظة تانية!"
وائل كان هيتجنن: "تسيب البيت وهي في السابع؟ دي مابتردش على الموبايل ليه؟"
— "رمت الشريحة قدامي وقالتلي مش عايزة أعرف حد من ريحتكم."
لكن "إجلال" نسيت حاجة واحدة بس.. "كاميرا المراقبة" اللي الجار اللي قدامهم ركبها الأسبوع اللي فات عشان يحمي عربيته.
تاني يوم الصبح، جيهان راحت لوائل الشغل. كانت حالتها تيرثى لها.
— "وائل! مرتك في العناية المركزة، وبنتك اتولدت قبل أوانها ومحطوطة في حضانة، وحالتهم هما الاتنين بين إيدين ربنا!"
وائل وقف مصدوم: "أنتي بتقولي إيه؟ أمي قالت إنها سابت البيت بمزاجها!"
جيهان مسكت إيده وخدته للجار. اتفرج وائل على الفيديو.. وشاف أمه وهي بتحدف شنطة مراته، وشاف كريمة وهي بتنحني من الوجع وبتتوجع قدام الباب المقفول، وشاف "الابتسامة" اللي كانت على وش أمه وهي بتقفل الستارة.
وائل في اللحظة دي، مكنش الشخص الهادي اللي الناس تعرفه. رجع البيت، بس المرة دي مدخلش لوحده.. دخل ومعاه جيرانه والشنط اللي أمه رمتها.
— "يا وائل يا حبيبي، جيت بدري ليه؟" إجلال قامت تستقبله.
وائل رمى الموبايل في وشها وهو عليه فيديو الكاميرا: "دي تربيتك ليا يا أمي؟ دي الأصول اللي علمتيها لي؟ ترمي لحمي ودمي في الشارع وتكدبي عليا وتقولي سابتني؟"
— "أنا كنت عايزة مصلحتك! البت دي كانت هتاخدك مني!"
— "اللي ياخدني منك هو جبروتك. من النهاردة، البيت ده أنا هبيعه، وكل مليم ليكي عندي هتاخديه، بس مش هتشوفي
وائل سابها وخرج، وهي بتصرخ وتلطم في نص الصالة، بس المرة دي محدش من الجيران دخل يطيب خاطرها، لأن الكل شاف "الوش الحقيقي" ورا الستارة.
راح المستشفى، دخل على كريمة وهي لسه فايقة من البنج بالعافية. أول ما شافته، عيطت وقالتله بضعف: "والله ما عملت حاجة يا وائل."
وائل باس إيدها وهو بيبكي: "أنا اللي عملت.. أنا اللي سبتك مع شيطانة، بس وحقك وحق بنتنا اللي في الحضانة، من هنا ورايح مفيش سكات تاني هيفرقنا."
حكايات شروق خالد
بعد مرور أسبوع، كريمة بدأت تسترد عافيتها، والبنت الصغيرة اللي سموها "نور" بدأت حالتها تستقر في الحضّانة. وائل مكنش بيفارق باب المستشفى، كان بيحاول يداري كسرة نفسه قدام كريمة، بس الحقيقة إن جرح أمه ليه كان أعمق من إنه يلم بسرعة.
إجلال في البيت كانت فاكرة إنها "سحابة صيف" وهتعدي، وإن وائل في الآخر ملوش غير حضن أمه. كانت قاعدة مستنياه يرجع يطلب السماح أو حتى ييجي يشتكي من تعب المصاريف، بس اللي حصل كسر كل توقعاتها.
الباب اتفتح، وائل دخل ومعاه "محامي" وشخصين غريبين.
— "وائل يا حبيبي! حمد الله على السلامة، أخيراً رجعت لبيتك؟" قالتها إجلال وهي بتحاول ترسم الضحكة.
وائل بص لها بنظرة باردة لدرجة إنها خافت:
— "ده مش بيتي يا إجلال.. ده بيتك أنتي. البيت ده مكتوب باسمي من وقت وفاة أبويا، وأنا النهاردة بعت نصيبي فيه للناس دي."
إجلال اتنفضت من مكانها: "تبيع بيت أبوك؟ وتبيع نصيبك لمين؟ وأنا هروح فين؟"
— "المشتري وافق إنك تقعدي في أوضة واحدة بانتفاع، بس الباقي هيتأجر عيادات. الفلوس اللي خدتها سددت بيها ديون المستشفى، والباقي حجزت بيه
إجلال بدأت تصرخ وتدعي، بس المرة دي وائل متهزش. طلع الفولدر بتاع كريمة من جيبه—اللي كان خده من البيت في يوم المواجهة—ورماه قدامها.
— "الورق ده اللي كنتي عايزة تداريه.. فيه حياة إنسانة كانت شايلة اسمي. أنتي مرمتيش كريمة بس، أنتي رميتي 'وائل' من حساباتك لما استهونتي بدمه."
خرج وائل من غير ما يبص وراه. راح المستشفى، لقى كريمة قاعدة والابتسامة رجعت لوشها لأول مرة وهي شايلة "نور" بعد ما خرجت من الحضّانة.
— "وائل.. هنعمل إيه دلوقتي؟" سألته كريمة وهي خايفة من الجاي.
وائل قعد جنبها وباس راسها وراس بنته:
— "هنبدأ من جديد. في شقة صغيرة، هادية، مفيش فيها غيرنا. مفيش حد هيدخل بينا تاني، ومفيش سر هينكتم، والسكوت اللي كان هيدمرنا.. أنا كسرته للأبد."
كريمة بصت له وهي حاسة إن الوجع اللي عاشته كان تمن غالي، بس النتيجة كانت إنها كسبت "راجل" عرف يختار عيلته الصغيرة ويحميها، حتى من أقرب الناس ليه.
أما إجلال، ففضلت قاعدة في أوضتها وسط دوشة العيادات والناس الغريبة، كل ما تبص للستارة تفتكر ضحكتها اللي كانت السبب في إنها تخسر ابنها وعمرها كله.. في لحظة جبروت.
مرت الشهور، ووائل نفذ وعده. الشقة الجديدة كانت بسيطة جداً، عفشها على قد الحال، بس كان فيها "نفس" هادي مكنش موجود في بيت أمه. كريمة بدأت ترجع تضحك من قلبها، ونور كبرت وبقت مالية عليهم الدنيا.
في يوم، وائل كان راجع من الشغل، لقى جاره القديم (صاحب الكاميرا) بيتصل بيه:
— "لحق يا وائل، والدتك تعبت جداً والناس طلبت لها الإسعاف، والبيت حالته تصعب على الكافر بعد ما المستأجرين الجدد ضيقوا عليها ومبقتش
وائل قفل الموبايل وإيده بترتعش. بص لكريمة اللي كانت قاعدة بتلعب مع نور. هو لسه شايل منها، بس في الآخر هي "أمه".
— "كريمة.. أمي تعبانة."
كريمة سكتت لحظة. افتكرت يوم ما رمت هدومها في الشارع، افتكرت وجع الطلق وهي لوحدها على الرصيف، وافتكرت نظرة الشماتة من ورا الستارة. بس بصت لبنتها "نور" وقالت لنفسها إنها مش عايزة البنت تطلع في بيت مليان غل.
— "روح لها يا وائل.. وهات لها ممرضة ترعاها، وأنا هعمل لها أكل بيتي تبعته لها كل يوم. مش عشانها.. عشان ربنا، وعشانك."
وائل راح لأمه المستشفى. لقاها ست تانية خالص؛ مكسورة، خاسة للنص، ووحيدة. أول ما شافته، مسكت في إيده وفضلت تعيط من غير كلام.
— "سامحني يا ابني.. أنا كنت فاكرة إن الحب تملك، بس طلعت بدمر نفسي وبدمرك."
وائل اتنهد بوجع:
— "أنا مسمحلك يا أمي، وكريمة كمان سامحتك. بس الرجوع للبيت القديم مستحيل. هتعيشي في مكان رعاية محترم، وهنزورك أنا ونور من وقت للتاني، بس حياتي الخاصة "خط أحمر" مفيش حد هيعديه تاني."
إجلال وافقت وهي راضية، عرفت إنها خسرت "السيطرة" بس كسبت "الرحمة".
وائل رجع بيته، دخل لقى كريمة محضرة العشا ومنورة الشموع. قعد وسط عيلته الصغيرة وهو حاسس بانتصار حقيقي. مش انتصار القوة، لكن انتصار "الحدود".
اتعلم الدرس الصعب: إن السكوت على الغلط مش صبر، ده استسلام. وإن البيت اللي بيتبني على "كسر الخواطر" لازم يقع، والبيت اللي بيتبني على "الاحترام" هو اللي بيفضل صامد مهما كانت الريح قوية.
وهنا قفلت كريمة صفحة الوجع، وفتحت صفحة جديدة، وهي عارفة إن جوزها بقى هو "الحيطة" اللي بتسند عليها بجد، مش مجرد اسم في قسيمة الجواز.
**تمت.**
خلف الستائر المقفولة
حكايات شروق خالد