خلف الستائر المقفولة حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

رمت مرات ابنها الحامل في الشارع وهي في الشهر السابع.. بس لما ابنها رجع وكشف الكدبة، كسر السكات اللي أمه استخدمته عشان تهد بيته.
— "ابني طالع عينه في الشغل وشقيان، وأنتي قاعدة هنا مرتاحة ومأنتخة،" قالتها "إجلال" بحدة وهي شايفة "كريمة" بتسخن شوية شوربة شعرية.
— "أنا بعمل الغدا يا طنط."
— "الأكل مش بيعمل نفسه، وده مش معناه إنك تتصرفي كأنك صاحبة البيت."
كريمة بلعت الإهانة بالعافية. كانت عارفة إن أي رد هيولع الدنيا، والسكوت كمان مش مريحها. كل يوم، "إجلال" كانت بتزودها، كأنها بتزقها عشان تنفجر.
أوكس الحركات اللي بدأت تعملها الحما كانت من أسبوع؛ تفتش في موبايل كريمة أول ما تدخل الحمام أو تنام. مرة تلعب في الشات، ومرة تمسح رسايل. كريمة عرفت لأن "وائل" فجأة بقا يتأخر في الرد بالساعات بعد ما تبعتله حاجة مهمة. ولما واجهت حماتها، الست حتى مابذلتش مجهود إنها تنكر.
— "لو مش مخبية حاجة، مش هتتضايقي."
— "دي خصوصية يا طنط."
— "الخصوصية دي في الفنادق، مش لست متجوزة وقاعدة في بيتي."
كريمة كان نفسها تكلم وائل في ساعتها، بس هو كان شغال في منطقة شبكتها ضايعة وبالعافية بيبعت فويس نوتس قصيرة. مكنتش عايزة تقلقه، هو شغال ورديتين عشان يحوش قرشين قبل ما البنت تشرف. كل ما صوتها يترعش، كانت تسكت وتفتكر كلام الدكتور عن التوتر، وتقول لنفسها: "استحملي كمان يوم."
كمان يوم.. دايما كمان يوم.
لحد ما جه يوم الأحد.
كريمة صحيت جسمها تقيل، ضهرها بيوجعها، وفي نغزة غريبة في بطنها. مكنش وجع جامد، بس كان

الإنذار اللي بتحس بيه أي ست حامل لما يكون فيه حاجة غلط. قررت تفضل في السرير شوية، والساعة مكنتش لسه جت تسعة لما لقت إجلال داخلة عليها الأوضة من غير ما تخبط.
— "هتقومي ولا هقوم أخدمك وأنا شايلة العمارة فوق كتافي؟"
كريمة اتعدلت بصعوبة.
— "تعبانة شوية يا طنط."
— "طبعاً.. سبحان الله التعب مابيعرفش طريقك غير ووائل مش هنا."
ماردتش عليها. قامت غسلت وشها وخرجت المطبخ تعمل لقمة خفيفة. المطبخ كان يضرب يقلب. الفيتامينات بتاعتها اختفت، وفولدر الأشعة والتحاليل ملوش أثر. قعدت تدور في كل حتة وهي مرعوبة.
— "بتدوري على ده؟" إجلال سألتها وهي ماسكة الفولدر بطرف صوابعها. "زهقت من كركبتك في كل حتة."
— "يا طنط دي تحاليلي وأشعيتي!"
— "يا اختي ماتكبريش الموضوع، هو أنتي أول واحدة تحمل في الدنيا؟"
كريمة قربت تاخده، بس الست سحبته لورا.
— "قبل أي حاجة، لازم نحط النقط على الحروف. البيت ده مش لوكاندة. ابني مش هنا وأنا مش هفضل خدامة ليكي. أنتي جاية هنا عشان ترتاحي وتتستتي، وأنا فاهمة ده من أول يوم."
وش كريمة أحمر من كتر الضغط.
— "أنا مجيتش هنا عشان فلوس، أنا بشتغل من قبل ما أتجوز وائل."
— "شغل إيه؟ ده ماهيتك مابتجبش تمن الحفاضات اللي جاية."
— "أنا مش هسمحلك تتكلمي معايا كدة."
— "وأنتي مين أصلاً عشان تسمحي ولا ماتسمحيش في بيتي؟"
الخناقة ولعت زي النار في القش. سنين من الإهانة والكلام المكتوم انفجرت في دقايق. كريمة طلبت الاحترام، وإجلال ردت بتريقة. كريمة قالت إن وائل له حق يقرر حياتهم سوا، الست
راحت خبطت بإيدها على السفرة وصوتت:
— "ابني من غيري ولا حاجة! والبت اللي في بطنك دي لسه ماشرفتش وبدأت تفرقنا عن بعض!"
الكلمة دي وجعت كريمة أوي. أكتر من الإهانة، وأكتر من قلة القيمة. لأن دي أول مرة تجيب سيرة البنت بالطريقة دي.
كريمة مدت إيدها تاخد الفولدر، إجلال نطرته بعيد وفتحت باب الشقة وقالت الجملة اللي غيرت كل حاجة:
— "لمي هدومك واطلعي بره. مادام وائل مش هنا، يبقا مالكيش مكان هنا."
— "يا طنط أنا حامل وفي السابع!"
— "وأنا اللي حبلتك؟ روحي مطرح ما حد يستحملك."
كريمة افتكرتها بتهدد وخلاص، لحد ما شافت إجلال داخلة الأوضة وسحبت شنطة صغيرة وبدأت تحدف فيها الهدوم بعشوائية؛ بلوزات على جزم على لبس البيبي على ورق. كريمة حاولت توقفها، بس نغزة قوية في بطنها خلتها تتني وسطها.
— "أرجوكي كفاية،" قالتها وهي كابسة على سنانها، "ممكن يحصلي حاجة."
— "أنتي اللي حصلك كفاية من ساعة ما دخلت العيلة دي."
الجارة اللي قدامهم وهي بترش زرعها بصت عليهم من الدوشة. كريمة حست بكسرة نفس أصعب من الوجع. إجلال جرت الشنطة لحد الباب ورمتها على الرصيف.
— "مش عايزة أشوف وشك هنا لما الليل يليل."
ورزعت الباب في وشها.
بكل بساطة.
في وشها.
وهي في الشهر السابع، عينيها غرقانة دموع، ورجليها بتترعش، وقفت كريمة مذهولة قدام الباب اللي اتقفل في وشها. خدت نفس بالعافية، وطلعت موبايلها وطلبت وائل. الموبايل مجمعش. بعتت رسالة، مديت علامة صح واحدة.
الوجع في بطنها رجع تاني.. بس المرة دي كان أقوى بمراحل.
لما "جيهان" صاحبتها
الانتيم وصلت بعد عشرين دقيقة عشان تلحقها، لقت كريمة قاعدة على الشنطة، وشها أصفر زي الليمونة، وماسكة بطنها وبتبص لبيت مقفول.
بس اللي خلى جيهان وشها يصفر هي كمان مش منظر كريمة في الشارع..
لا، ده كان منظر "إجلال" وهي واقفة ورا شباك الدور التاني بتبص عليهم وهي مبتسمة وبتقفل الستارة ببرود.
وفي اللحظة دي، كريمة فهمت إن دي مجرد البداية.. وإن مفيش حد هيصدق اللي هيحصل بعد كدة.

حكايات شروق خالد

— "كريمة! أنتي سامعاني؟" جيهان كانت بتنهج وهي بتسندها عشان تقوم، "لازم نمشي من هنا حالاً، أنتي شكلك بتولدي!"
كريمة مكنتش قادرة ترد، الوجع كان بيسمع في ضهرها كأن فيه سكاكين بتقطع فيها. ركبت العربية بالعافية، وطول الطريق كانت بتبص على شباك الشقة اللي اتقفل، مش قادرة تستوعب إن دي "الحما" اللي كانت بتعملها كوباية الشاي بأيدها أول ما اتجوزت وائل.
في المستشفى، الدنيا كانت مقلوبة. الدكتور خرج لجيهان وهو وشه مايتفسرش:
— "الحالة صعبة جداً.. ضغطها عالي جداً وده خطر على المشيمة. هي اتعرضت لضغط عصبي شديد؟"
جيهان ردت وهي بتعيط: "حماتها رمتها في الشارع بالشنط يا دكتور!"
في الوقت ده، إجلال كانت قاعدة في بيتها، بتشرب قهوتها بمنتهى الهدوء. مسكت موبايل وائل اللي كان معاها "نسخة" من شفرته، ومسحت رسالة الاستغاثة اللي كريمة بعتتها قبل ما الموبايل يفصل شحن. وبعتت هي رسالة من عندها:
— **"وائل يا حبيبي، كريمة سابت البيت وخدت هدومها وقالت إنها مش عايزة تكمل معاك.. أنا حاولت أمنعها بس هي غطت عليا وقالت

كلام وحش في حقك وحقي. أنا قلبي محروق عليك يا ابني."**

تم نسخ الرابط