سرّ العيلة حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

صرخت فجأة ورفعت المسدس
لكن قبل ما تضرب
كريم جري عليها.
الطلقة خرجت.
ريم صرخت من فوق.
وأنا حسيت الدنيا اسودّت.
كريم وقع على الأرض.
والدم بدأ ينتشر تحت جسمه.
سميحة بصت لابنها
وصرخة طلعت منها كأن روحها اتسحبت.
كرييييم!
المسدس وقع من إيدها.
وجرت عليه وهي بتنهار.
أما أحمد
فكان واقف مصدوم.
كأن الماضي كله رجع وضربه مرة واحدة.
كريم كان بيتنفس بالعافية.
وسميحة وبتصرخ
لا لا يا ابني فوق!
لكن كريم بص لأمه بدموع وقال بصوت مكسور
كفاية يا أمي كفاية.
ثم لف عينه لفوق
على ريم.
وهمس آخر كلمة
أنا فعلًا حبيتك.
حكايات شروق خالد
ريم انهارت.
صرختها قطعت قلبي وأنا شايفاها بتجري ناحية الباب كأنها هتنزل تطير له.
كرييييم!
لكن الدخان كان مالي العمارة، والناس بتزعق، وصوت عربيات المطافي قرب يهز الشارع كله.
أنا مسكتها قبل ما تقع.
كانت بتترعش بشكل مرعب.
سيبيني! لازم أنزل!
لكن أحمد كان تحت بالفعل.
ركع جنب كريم بسرعة، وضغط بإيده على مكان الدم.
الإسعاف! بسرعة!
سميحة كانت منهارة تمامًا، ابنها وبتصرخ هستيري
قوم يا حبيبي قوم وأنا هعمل اللي إنت عايزه هسيبهم والله هسيبهم!
لكن كريم كان بيضعف ثانية ورا التانية.
رفع عينه بالعافية لأحمد
وقال بصوت متقطع
خلي بالك من ريم.
أحمد بصله نظرة طويلة
ثم هز راسه ببطء.
ولأول مرة، شفت في عينه حزن حقيقي على الشاب ده.
يمكن لأنه أخيرًا فهم إن كريم كان ضحية هو كمان.
ضحية أم عايشة على الانتقام.
ضحية ماضي أسود أكبر منه.
الإسعاف وصلت أخيرًا.
المسعفين جروا عليه بسرعة، وأبعدوا سميحة بالعافية.
كانت بتصرخ وتخبط فيهم
ابني! ابني هيموت!
لكن محدش قدر يهديها.
ريم نزلت الشارع وهي حافية، فستانها الأبيض متبهدل بالدموع والتراب.
أول ما شافت كريم على الترولي، وقعت على ركبتها.
متسبنيش بالله عليك متسبنيش.
كريم حاول يرفع إيده
ولمس وشها بالعافية.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
الابتسامة اللي كانت ريم بتحكيلي عنها زمان.
وبعدين
إيده وقعت.
وأجهزة الإسعاف بدأت تصوت بجنون.
سميحة صرخت صرخة عمري ما هنساها.
أما ريم
فما صرختش.
وده كان أوحش.
كانت واقفة جامدة، كأن روحها خرجت منها.
بعدها بلحظات، الشرطة أخدت سميحة.
كانت ماشية كأنها فقدت عقلها تمامًا.
ولا مرة بصت علينا.
كل نظرها كان على عربية الإسعاف اللي أخدت ابنها.
وأحمد؟
كان واقف وسط الشارع والنار وراه، وشكله كبر عشرين سنة في ليلة واحدة.
عدّى أسبوع.
أسبوع كامل والبيت ساكت.
ريم ما بقتش تتكلم تقريبًا.
تقوم، تقعد، تبص للسقف بالساعات.
أما أحمد
فكان ييجي كل يوم.
يجيب أكل، أدوية، يقعد بعيد يراقب بنته بصمت.
كأنه بيحاول يعوض سنين الغياب كلها مرة واحدة.
وفي اليوم الثامن
الباب خبط.
فتحت
ولقيت راجل كبير واقف ببدلة سودا.
مدام Elena؟
هزيت راسي بحذر.
مدّلي ظرف أبيض.
ده كان أمانة عند الأستاذ كريم.
قلبي دق بعنف.
خدت الظرف وقفلت الباب بسرعة.
ريم أول ما شافت اسم كريم على الخط، إيديها بدأت تترعش.
فتحت الجواب ببطء
وكان فيه مفتاح
ورسالة.
بدأت تقرأ بصوت مكسور
ريم
لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى غالبًا أنا ماقدرتش أصلّح كل الخراب اللي حصل.
أنا عارف إنك يمكن تكرهيني ومعِاكي حق.
بس أقسم بالله، أول مرة شوفتك فيها، نسيت كل حاجة أمي طلبتها مني.
كنتي الحاجة الوحيدة النضيفة في حياتي.
دموع ريم نزلت على الورقة.
وكملت
أنا حاولت أوقفها أكتر من مرة لكن كنت جبان.
وأكبر عقاب ليا إني شوفت الخوف مني في عينك.
أنا ماقدرتش أتمالك نفسي وبكيت.
أما ريم فكانت بتقرأ كأن نفسها متعلق بالكلمات.
المفتاح ده لخزنة باسمي.
جواها كل الملفات اللي تثبت جرائم أمي وكل حاجة كانت بتخطط لها ضدكم.
خديهم لأبوكي.
وقوليله إني آسف إني ماقدرتش أبقى الراجل اللي يستحق بنته.
آخر سطر كان متبهدل كأنه مكتوب بإيد بتترعش
وفي حياة تانية كنت أتمنى أكون زوجك فعلًا.
ريم الرسالة وانهارت في عياط مكتوم.
أما أحمد
فكان واقف عند باب الصالون.
سامع كل كلمة.
ولأول مرة من سنين طويلة
شفت دموع تنزل من عينه بدون ما يحاول يخبيها.
حكايات شروق خالد
بعد الرسالة دي البيت اتغيّر.
مش للأحسن
لكن الحقيقة أخيرًا بقت كاملة.
أحمد أخد المفتاح من ريم بإيد هادية، لكنه فضل باصص عليه وقت طويل جدًا.
كأنه شايل عمر كامل من الذنب في قطعة معدن صغيرة.
قال بصوت منخفض
الخزنة دي لازم تتفتح النهارده.
ريم هزت راسها ببطء.
ولأول مرة من ليلة الفرح قالت جملة كاملة بدون ما صوتها يتهز
أنا هاجي معاكم.
بصيتلها بقلق.
يا حبيبتي إنتِ لسه تعبانة
لكنها قاطعتني.
لازم أشوف النهاية.
بعد ساعة
كنا واقفين قدام بنك ضخم في وسط القاهرة.
أحمد كان ماشي بثبات، لكني كنت حاسة بالتوتر في كل حركة منه.
طلع بطاقة خاصة، والموظف اتغير وشه فورًا.
اتفضل يا فندم.
نزلنا غرفة تحت الأرض.
حديد. أبواب تقيلة. كاميرات في كل حتة.
وأخيرًا
وصلنا للخزنة.
ريم كانت ماسكة الرسالة في إيدها طول الوقت.
دخل أحمد المفتاح
ولما الباب اتفتح، كلنا اتجمدنا.
الخزنة ماكنتش مليانة فلوس أو دهب.
كانت مليانة ملفات.
صور.
هاردات.
وتسجيلات.
أحمد بدأ يقلب بسرعة، لكن وشه كان بيبهت مع كل ورقة.
أنا قربت منه.
إيه؟
طلع صورة وحطها قدامي.
واتجمد الدم في عروقي.
الصورة كانت لينا
أنا وأحمد وريم وهي صغيرة.
صور من سنين.
صور من جوا بيتنا.
ريم شهقت
يعني كانوا بيراقبونا؟
أحمد ما ردش.
لأنه كان فاتح ملف تاني.
وفي الملف
عقود. تحويلات. أسماء رجال أعمال كبار.
ثم فجأة
وقع ظرف صغير من بين الورق.
مكتوب عليه بخط كريم
يفتح لو حصلّي حاجة.
ريم فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
وكان جواه فلاشة ورسالة قصيرة.
الفيديو ده لأبوكي.
أحمد أخد الفلاشة فورًا.
وفي غرفة البنك كان في شاشة صغيرة.
وصل الفلاشة
والفيديو اشتغل.
ظهر كريم.
وشه شاحب، وعينه باين فيها إنه ما نمش.
كان قاعد لوحده في أوضة ضلمة.
وبمجرد ما بدأ يتكلم
ريم انفجرت في البكاء.
لو بتشوف الفيديو ده يبقى أمي وصلت للنقطة اللي كنت خايف منها طول عمري.
كريم بص للكاميرا مباشرة.
أستاذ أحمد في حاجة لازم تعرفها.

أحمد ثبت عينه على الشاشة.
وكريم كمل
ليلى ما ماتتش بالصدفة.
الهواء اتسحب من الأوضة.
أنا حسيت برجلي بتضعف.
أما أحمد
فوشه اتحول لحجر.
كريم بلع ريقه وقال
أمي هي اللي قفلت عليها العربية.
ريم شهقت بصوت عالي.
وأنا حطيت إيدي على بوقي بصدمة.
كريم كان بيعيط وهو بيتكلم
سمعتها وهي بتحكي وأنا صغير كانت شايفة إن ليلى خانت العيلة لما حاولت تهربك.
أحمد رجع خطوة لورا كأن حد ضربه.
لكن الفيديو ما وقفش.
أمي سابت أختها تموت وبنت حياتها كلها على كرهك عشان تهرب من الحقيقة.
السكوت اللي حصل بعد الجملة دي كان مرعب.
أحمد كان واقف كأنه مش قادر يتنفس.
وعينيه بدأت تلمع بشكل مخيف.
الغضب اختفى.
والذنب اختفى.
وحل مكانهم شيء أخطر
الحقيقة.
كريم كمل بصوت مكسور
هي كانت محتاجة تكرهك لأن لو اعترفت إنها السبب، كانت هتنهار.
ثم قرب من الكاميرا وقال آخر حاجة
سامح نفسك يا أستاذ أحمد لأن ليلى ماتت وهي بتحاول تنقذك، مش وهي بتلعنك.
الفيديو وقف.
والغرفة غرقت في صمت ثقيل جدًا.
وفجأة
أحمد وقع على ركبته.
أول مرة في حياتي أشوف الراجل ده ينهار بالشكل ده.
دفن وشه في إيده
وبكى.
بكى كأنه شايل قبر جواه بقاله عشرين سنة.
ريم جريت عليه فورًا .
وأنا وقفت أبص عليهم وقلبي بيتقطع.
أب وبنته
الاتنين مكسورين بسبب ذنب ماكنش حقيقي من الأساس.
بعد دقائق طويلة
أحمد رفع راسه أخيرًا.
وعينه كلها دموع وتعب.
لكن لأول مرة
ماكانش فيها خوف.
بص لريم وقال بهدوء
هنهي كل حاجة.
ريم مسحت دموعها.
إزاي؟
أحمد أخد نفس طويل
ثم فتح آخر ملف في الخزنة.
وأول ما شاف اللي جواه
وشه اتغيّر فجأة.
أنا اتوترت
في إيه؟
لفّ الملف ناحيتنا ببطء.
وكان فيه
شهادة ميلاد.
باسم طفل.
واسم الأم
ليلى.
أما اسم الأب
فخلّى أحمد يشحب تمامًا.
لأنه كان اسمه هو.
إيدي سابت الكرسي من الصدمة.
إيه ده؟
ريم أخدت شهادة الميلاد بإيد بتترعش.
الطفل اسمه يوسف أحمد المنياوي.
تاريخ الميلاد
بعد موت ليلى بشهرين.
أما أحمد
فكان باصص للورقة كأنه شايف شبح.
همس بصوت مخنوق
مستحيل
ريم رفعت عينها عليه ببطء.
يعني كان عندك ابن؟
أحمد ما ردش.
لأن شكله كان مصدوم أكتر مننا كلنا.
قعد على الكرسي كأن رجليه مبقتش شايلاه.
ليلى عمرها ما قالتلي إنها حامل.
أنا حسيت بقشعريرة.
يعني سميحة كانت مخبية طفل عشرين سنة كاملة؟
ريم قلبت الورقة بسرعة.
في عنوان
أحمد خطفها منها تقريبًا.
العنوان كان قديم في حي شعبي بعيد.
وبدون تفكير وقف فجأة.
لازم نروح.
بعد ساعة
كنا واقفين قدام عمارة قديمة متهالكة.
الحي هادي بشكل غريب.
أحمد كان متوتر بصورة عمره ما ظهر بيها.
خايف.
ودي أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينه.
طلعنا الدور الرابع.
وخبط الباب.
ثواني
والباب اتفتح ببطء.
ست كبيرة في السن ظهرت، أول ما شافت أحمد، وشها فقد لونه.
إنت
أحمد صوته خرج بالعافية
أنا بدور على يوسف.
الست بصت حواليها بخوف، ثم فتحت الباب بسرعة.
ادخلوا قبل ما الجيران يشوفوا.
دخلنا الشقة.
ريحة دوا ورطوبة مالية المكان.
والهدوء تقيل.

الست كانت مرتبكة جدًا.
ريم سألتها
حضرتك تعرفي ليلى؟
الست بدأت تعيط فورًا.
دي كانت بنت أختي.
قلبي دق بعنف.
أحمد قرب منها خطوة.
الولد فين؟
الست بصتله بنظرة كلها وجع.
كبر.
الجواب خبطنا كلنا.
طبعًا كبر
عشرين سنة عدوا.
لكن عقلنا كان واقف عند الماضي.
قالت وهي بتمسح دموعها
سميحة أخدته مني من خمس سنين.
أحمد اتجمد.
إيه؟
قالت إنها أمه دلوقتي وإن محدش له دعوة بيه.
أنا حسيت بالخطر فورًا.
يعني إيه؟ أخدته فين؟
الست هزت راسها بخوف.
معرفش بس كانت دايمًا تقوله إن أبوه خاين وإنه السبب في موت أمه.
أحمد سند إيده على الحيطة كأنه هيفقد توازنه.
أما ريم
فبصت لأبوها بصدمة.
يعني في واحد طول عمره بيكرهك وهو ابنك؟
وفجأة
صوت حاجة وقعت في أوضة داخلية.
كلنا اتخضينا.
أحمد لف بسرعة.
مين هناك؟
الست ارتبكت.
م مفيش.
لكن أحمد كان اتحرك بالفعل ناحية الأوضة.
فتح الباب بعنف
واتجمد مكانه.
وراه إحنا كمان.
شاب واقف جوه.
طويل. لابس أسود. وعينيه
نفس عيون أحمد بالضبط.
لكن الملامح كانت مليانة غضب مرعب.
وفي إيده
مسدس.
الشاب رفع السلاح ناحية أحمد مباشرة.
وقال بصوت كله كراهية
أخيرًا قابلتك يا أبويا.
حكايات شروق خالد
اللحظة دي كانت واقفة.
لا صوت لا حركة غير نفس الشاب اللي كان واقف قدامنا وعينه مليانة غضب سنين.
ريم شهقت ووريت إيديها بصدمة
يوسف لا!
لكن الشاب ما تحركش.
المسدس كان ثابت ناحية أحمد.
وأحمد
لأول مرة في حياته، ما رفعش إيده، ما حاولش يدافع عن نفسه.
بس كان بيبصله.
ببصّة غريبة خليط بين الصدمة والحنين والخوف.
قال بصوت واطي
إنت يوسف؟
الشاب ضحك ضحكة قصيرة، بس مفيهاش أي فرح.
أنا اللي اتربيت على كرهك.
الصمت كان بيضغط على صدري.
ثم كمل وهو بيشد على المسدس
أمي قالتلي إنك قتلتها وإنك سبتها تموت عشان تهرب.
أحمد غمض عينه لحظة.
دي مش الحقيقة.
يوسف صرخ
الكلام ده أنا سمعته طول عمري!
إيده بدأت ترتعش على السلاح.
ريم كانت بتعيط بصوت منخفض
يوسف دي مش الحقيقة.
لفّ ناحيتها بعصبية
إنتي مين؟
أنا أختك.
الجملة وقعت عليه كالصاعقة.
تجمّد.
وبص لها كأنه لأول مرة يشوفها فعلاً.
أختي؟
ضحكة قصيرة مرّة طلعت منه
أنا مليش عيلة.
أحمد أخد خطوة للأمام بحذر.
أنا أبوك.
يوسف رفع السلاح فورًا أكتر
متقربش!
الصوت كان مكسور من جوه.
إنت السبب في كل حاجة!
أحمد وقف مكانه فورًا.
وسكت.
لكن عينيه كانت بتقول حاجة تانية
ندم.
وجع.
سنين ضاعت.
يوسف كمل بعنف
أمي ماتت وهي بتقولي اسمك كل يوم! كانت بتكرهك لدرجة إنها علمتني أكرهك أنا كمان!
دموعه بدأت تنزل غصب عنه.
لكن إيده على السلاح ما سابتش.
ريم صرخت
أمي اللي كانت بتكذب عليك!
يوسف بص لها بحدة
إنتي بتدافعي عنه ليه؟!
لأنه أبوك فعلاً!
سكت ثانية.
والغضب في عينه بدأ يتلخبط.
أحمد اتكلم بهدوء شديد
ليلى ما ماتتش بسبب خيانتي ماتت وهي بتحاول تنقذني.
يوسف صرخ
كفاية كدب!
وفجأة
صوت الست الكبيرة قطع اللحظة
اسمعهم يا يوسف لأول مرة.
يوسف بص ناحيتها بصدمة.
إنتي كنتي عارفة؟
الست بدأت
تعيط
أنا اللي ربيتك وأنا اللي خبيت عليك الحقيقة.
ثم بصت لأحمد وقالت
ليلى كانت حامل لما حصلت المداهمة وهي اللي طلبت مني أخد الطفل بعيد عن سميحة.
يوسف بدأ يهتز.
إنتي كدبتي عليا؟
الست هزت راسها وهي منهارة
كنت خايفة يخسروك زي ما خسرت ليلى.
الهدوء اللي دخل الغرفة كان مرعب.
يوسف إيده بدأت تنزل تدريجيًا.
المسدس بيرتخي.
عينه راحت لأحمد
كأنه شايفه لأول مرة مش عدو.
لكن فجأة
صوت صفارة عربية برا.
ثم صوت صريخ
الشرطة حوالين البيت!
يوسف
تم نسخ الرابط