سرّ العيلة حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

كانت الساعة ٣ الفجر
ولما خبطت بنتي على الباب، افتكرت إن أكيد حصلها مشكلة بسيطة بعد الفرح
لكن أول ما فتحت، حسّيت إن قلبي وقع تحت رجلي.
ريم كانت واقفة قدامي بفستان الفرح الأبيض متبهدلة وعليها دم.
ضهر الفستان متقطع، شفايفها متشققة، خدها وارم، وإيديها كلها علامات زُرقة كأن حد كان ماسكها بعنف.
البنت اللي كنت مزيناها بإيدي الصبح رجعتلي بالليل كأنها خارجة من حرب.
وقبل ما تقع بين إيديا، همست بصوت مكسور
يا ماما حماتي ضربتني أربعين قلم عشان رفضت أكتب شقتي باسمهم.
في اللحظة دي الزمن وقف.
إيه؟!
ريم كانت بتترعش وهي ماسكة في إيدي
متتصليش بالمستشفى لو بلغتِ عنهم هيقتلوني.
جسمي كله تلج.
مين قال كده؟
غمضت عينيها وهي بتهمس
سميحة أم كريم.
الاسم لوحده خلّى النار تولع جوايا.
من أول يوم شوفت فيه سميحة، وأنا حاسة إن الست دي مش طبيعية.
كانت داخلة بيتنا دهب من فوق لتحت، ريحتها خانقة، وعينيها مش بتبص على الناس كانت بتبص على الممتلكات.
كريم كان شكله ابن ناس محامي، شيك، كلامه هادي، وعارف يقول الكلام اللي يخلي أي بنت تصدقه.
وريم كانت بتحبه بجنون.
وأنا؟
ماكنتش عايزة أبقى الأم اللي بتبوظ فرحة بنتها لمجرد إحساس.
بس إحساسي كان صح.
في تاني زيارة ليهم، سميحة بصّت حوالين الصالون وقالت بابتسامة باردة
سمعت إن ريم معاها شقة في التجمع باسمها.
رديت عليها فورًا
الشقة دي ملك ريم ومحدش له دعوة بيها.
دي كانت شقة أبوها كاتبها باسمها بعد الطلاق شقة بملايين الحاجة الوحيدة الآمنة اللي تملكها بنتي.
لكن سميحة ابتسمت الابتسامة اللي خلتني أتوتر.
بسأل عادي عشان نعرف العيلة اللي ابني داخلها.
ومن بعدها بدأت الطلبات.
فلوس. دهب. ضمانات للجواز.
كأن بنتي داخلة صفقة مش داخلة بيت.
رفضت كتير لكن ريم فضلت تعيط وتقولي
كريم بيحبني يا ماما أمه بس صعبة شوية.
وفي الآخر وافقت على الفرح
لكن حطيت شرط واحد
الشقة مستحيل تخرج من اسم ريم.
ودلوقتي بنتي كانت قاعدة على الكنبة بتعيط وظهرها مليان آثار ضرب.
قالت وهي بتشهق
بعد الفرح كريم خدني الأوتيل افتكرت أخيرًا هنقعد لوحدنا.
وسكتت شوية قبل ما تكمل
قالّي عنده حاجة مهمة ونزل وبعد عشرين دقيقة دخلت أمه ومعاها ستات كتير وقفّلوا الباب.
حسّيت نفسي هتخنق.
مسكتني من شعري وقالتلي إمتى هتمضي الشقة باسم عيلة ابني؟
ريم انهارت
قولتلها مستحيل قامت ضرباني بالقلم مرة ورا مرة وأنا بعدّ لحد أربعين.
دموعي نزلت غصب عني.
والباقي كانوا بيضحكوا ويقولوا لازم العروسة تتربى من أول ليلة.
إيديا كانت بتترعش من الغضب.
وكريم؟!
ريم بصتلي بنظرة كسرتني
كان واقف برا الباب سمعته بيقول يا ماما متضربيهاش في وشها جامد الناس هتاخد بالها.
في اللحظة دي حسّيت إن قلبي اتحرق.
افتكرت جوازي أنا وأبوها حماتي القديمة الذل السكوت والسنين اللي ضاعت مني وأنا بخاف أواجه.
لكن اللي حصل لبنتي كان أكبر من السكوت.
دول ما أهانوش

ريم بس
دول أعلنوا حرب.
مسكت موبايلي فورًا.
ريم حاولت تمنعني
بابا مبقاش يسأل فينا من سنين.
بصيت على وشها المتبهدل وقلت
بس إنتِ لسه بنته.
واتصلت برقم مستخدمتوش من عشر سنين.
رد بصوت نايم ومتخنق
ألو
خدت نفس وقلت
بنتك اتهانت واتضربت ليلة فرحها.
سكت.
ثواني طويلة.
وبعدين صوته اتغير تمامًا
ابعتيلي العنوان أنا جاي.
قفلت المكالمة وفضلت وهي بتترعش.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت شفت في عينيها حاجة صغيرة بتلمع.
ماكنتش أمل
لسه.
لكن كانت بداية.
بعد نص ساعة
الجرس رن.
فتحت الباب
لقيت أحمد واقف قدامي، لابس قميص متكرمش، وشه شاحب، وعينيه فيها برود خوّفني.
أول ما شاف ريم
وقع على ركبته جنبها.
بنتي
ريم فتحت عينيها بالعافية
بابا
ولما أحمد شاف آثار الضرب على جسم بنته
فهمت حاجة واحدة بس.
إن الليلة دي كانت مجرد البداية.
لأن سميحة افتكرت إنها خوّفت عروسة صغيرة وسكتتها
لكنها ماكنتش تعرف إنها صحّت الوحش الوحيد القادر يدمّر عيلتها كلها
قبل ما شهر العسل حتى يخلص.
حكايات شروق خالد
أحمد فضل باصص على آثار الضرب في جسم ريم وساكت.
وده كان أخطر بكتير من الصريخ.
أنا أعرفه كويس.
لما أحمد بيسكت يبقى في حد هيدفع التمن.
مدّ إيده بهدوء ورفع كم الفستان المقطوع عن دراعها.
علامات صوابع واضحة.
كدمات.
وجلد متسلخ.
عينيه اتحولت لحاجة عمري ما شوفتها قبل كده.
قال بصوت واطي جدًا
مين لمس بنتي؟
ريم بدأت تعيط أكتر.
حماتي والستات اللي معاها وكريم كان سامع كل حاجة.
أحمد قفل عينيه ثواني كأنه بيحاول يسيطر على نفسه.
وبعدين وقف مرة واحدة وقال
فين عنوان الأوتيل؟
مسكت دراعه بسرعة.
أحمد إنت ناوي على إيه؟
لفّ ناحيتي ببرود
ناوي أخليهم يتمنوا إن الشرطة هي اللي وصلت لهم.
قلبي دق بعنف.
أنا عارفة طليقي.
الراجل ده لما بيتكسر من جواه محدش بيوقفه.
لكن قبل ما أتكلم، ريم مسكت إيده وهي بتترعش
بابا أنا خايفة.
أحمد ركع قدامها فورًا.
ولأول مرة من سنين شفت الحنان يرجع لوشه.
بصيلي يا ريم.
بصتله بعينيها الحمرا.
قال وهو بيمسح دموعها بإيده
أقسم بالله محدش هيقدر يلمسك تاني.
ريم شهقت بالعياط.
وأنا حسيت إن البنت الصغيرة اللي كان بيشيلها على كتفه زمان رجعت للحظة.
لكن اللحظة دي انتهت بسرعة.
لأن موبايل ريم رن.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلّى جسمها يتشنج
كريم
أحمد مد إيده فورًا
هاتي.
فتح السماعة وحط الموبايل على الاسبيكر.
وجالنا صوت كريم البارد
إنتِ عند أمك؟
أحمد ما ردش.
كريم كمل بعصبية
قوليلها متكبرش الموضوع. أمي كانت بتربيكي بس.
في اللحظة دي أنا شفت حاجة مرعبة في عين أحمد.
ابتسامة.
بس مش أي ابتسامة
دي كانت ابتسامة راجل قرر يدفن حد وهو صاحي.
قال بهدوء مرعب
أنا أبو ريم.
سكت كريم فجأة.
ثواني
وبعدين حاول يضحك
أستاذ أحمد حضرتك فاهم غلط
أحمد قاطعه
مراتك رجعت بيت أمها متغطية دم.
كريم اتوتر
دي مشكلة عائلية بسيطة
بسيطة؟
الصوت اللي خرج من
أحمد خلاني أنا نفسي خفت.
أمك حبست بنتي وضربتها أربعين مرة وإنت واقف بتحسب الكدمات.
كريم سكت.
أحمد قرب الموبايل من وشه وقال ببطء
من اللحظة دي إنت وأمك انتهيتوا.
وقف كريم بسرعة يدافع
لو فكرت تبلغ الشرطة، إحنا كمان عندنا ناس ومعارف.
أحمد ضحك.
ضحكة قصيرة باردة جدًا.
إنت فاكر إني هحتاج شرطة؟
وَقَع الصمت.
الصمت اللي قبل الكارثة.
ثم أحمد قال جملة واحدة بس
بص من شباك الأوتيل.
كريم اتخض
إيه؟
لكن أحمد كان قفل المكالمة بالفعل.
بصيتله بصدمة.
إنت عملت إيه؟!
طلع موبايله ووراني صورة.
عربية سودا واقفة قدام الأوتيل.
وراها عربيتين كمان.
ورسايل كتير داخلة.
أحمد قال وهو بيبص للشاشة
أنا كنت جاي من عشرين دقيقة بس قبل ما أطلع عندكم، بعت ناس تجيبلي كل حاجة عن عيلة روبلس.
بلعت ريقي.
ناس؟
بصلي وقال بهدوء
كريم مش محامي ناجح زي ما فاكرين.
فتح ملف على الموبايل وحطه قدامي.
تحويلات مشبوهة. رشاوي. قضايا متقفلة بفلوس. وشركات وهمية باسم أمه.
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
إنت جبت ده كله إزاي؟
رد بدون ما يرمش
عشان في يوم من الأيام أنا اللي علمت الناس دي يستخبوا إزاي.
ريم بصتله بخوف
بابا هتعمل فيهم إيه؟
أحمد سكت شوية.
وبعدين قال
اللي كانوا بيعملوه في الناس.
وفجأة
رن موبايله.
رد بهدوء، لكن ملامحه اتغيرت فورًا.
قول.
الطرف التاني كان بيتكلم بسرعة.
ثم أحمد قال
إيه يعني هربت؟
أنا حسيت بقلبي وقف.
مين اللي هربت؟
بصلي ببرود قاتل وقال
سميحة.
وفي نفس اللحظة
وصلت رسالة على موبايل ريم من رقم غريب.
فتحتها بإيد بتترعش
ولون وشها اختفى تمامًا.
يا نهار أبيض
خدت منها الموبايل بسرعة.
وكانت الرسالة عبارة عن صورة.
صورة لسميحة
واقفة جوه شقة ريم في التجمع.
وبإيدها ولاعة.
وتحت الصورة مكتوب
لو الشقة مش هتبقى لينا محدش هيعيش فيها.
حكايات شروق خالد
لو الشقة مش هتبقى لينا محدش هيعيش فيها.
إيدي تلجت وأنا ببص للصورة.
لكن أحمد
ما اتهزش.
بالعكس.
كل ما الخطر كان بيكبر كل ما وشه بيهدى أكتر، وده كان مرعب.
مد إيده خد الموبايل منّي، وبص للصورة ثانيتين بس.
ثم قال بهدوء
دي أغبى غلطة عملتها الست دي.
ريم كانت بتترعش
بابا الشقة! فيها كل حاجة ورق هدومي
أحمد رفع عينه عليها فورًا
بصيلي.
بصتله وهي بتعيط.
إنتِ أهم من أي شقة.
الكلمة خلت ريم تنهار أكتر.
لكن أحمد كان بالفعل بيتحرك.
اتصل بحد وحط التليفون على ودنه
طلّع الأمن على شقة التجمع حالًا. محدش يدخل ولا يخرج.
ثم سكت ثانية وقال
ولو الست دي حاولت تولّع المكان اكسرو الباب.
قفلت ريم بوقها بصدمة.
وأنا بدأت أستوعب إن طليقي القديم بقى راجل تاني تمامًا.
مش مجرد رجل أعمال ناجح
لا.
في نفوذ.
في سلطة.
في حاجة أكبر بكتير.
بعد أقل من خمس دقايق، موبايله رن تاني.
رد وهو واقف عند الشباك.
وصلتوا؟
صوت عالي كان خارج من السماعة.
صرريخ.
وتكسير.
وبعدين راجل قال بسرعة
لقينا الست يا فندم كانت بتحاول
تحرق العقود.
أحمد رد ببرود
والشقة؟
النار بدأت في الستارة بس لحقناها.
غمض عينيه للحظة وكأنه أخيرًا أخد نفس.
لكن اللي جاي كان أسوأ.
لأن الراجل كمل
بس في مشكلة.
أحمد فتح عينه فورًا.
اتكلم.
في بنت هنا مربوطة في أوضة النوم.
الدم هرب من وشي.
إيه؟!
الراجل صوته بقى متوتر
شكلها الخدامة حالتها صعبة.
ريم شهقت وهي حاطة إيديها على بوقها.
أما أحمد
فوشه اتحول لحجر.
خلي الإسعاف تدخل فورًا.
قفل المكالمة ببطء.
ثم بص لريم وقال
أم جوزك مش مجنونة بس.
سكت ثانية.
دي مجرمة.
وفي اللحظة دي جرس الباب رن بعنف.
مرة.
وراها مرة تانية.
وأنا قلبي وقع.
أحمد اتحرك ناحية الباب بهدوء غريب.
فتح
ولقينا كريم واقف.
لكن مش نفس كريم اللي كان في الفرح.
الكرافتة متقطعة، وشه متوتر، وعرقان بشكل مرعب.
أول ما شاف ريم، قرب بسرعة
حبيبتي اسمعيني
لكن أحمد وقف قدامه مباشرة.
فرق الطول بينهم كان مخيف.
كريم حاول يتماسك
أستاذ أحمد الموضوع خرج عن السيطرة.
أحمد رد ببرود
أنت لسه شوفت حاجة.
كريم بلع ريقه
أمي مريضة هي عصبية بس
وفجأة
بالقلم!
الصوت دوّى في الشقة.
أنا نفسي اتفزعت.
أحمد كان ضرب كريم بالقلم لدرجة إن الشاب وقع على الأرض.
ريم صرخت.
أما أحمد فكان واقف فوقه كأنه جبل.
أمي عصبية؟
كريم حاول يقوم وهو ماسك وشه.
لكن أحمد مسكه من ياقة القميص بعنف ورفعه.
لما كانت بنتي بتصرخ كنت فين؟!
كريم صوته اتكسر
كنت خايف من أمي!
السكوت اللي حصل بعدها كان مرعب.
لأن أحمد سابه فجأة.
والاشمئزاز مالي عينيه.
راجل خايف من أمه سمح لها تضرب مراته ليلة فرحها.
كريم وقع تاني على الأرض وهو بينهج.
ثم بص لريم بعياط حقيقي
والله بحبك.
ريم كانت بتبصله بصدمة
كأنها أول مرة تشوفه على حقيقته.
وقالِت بصوت مكسور
إنت وقفت برا الباب وسمعتني وأنا بصرخ.
كريم بدأ يعيط
مكنتش أعرف هتضربك كده
بس سبتها.
الجملة خرجت من ريم بهدوء قاتل.
وأقسم إني شفت قلب البنت بيتكسر قدامنا.
كريم قرب ناحيتها على ركبته
اديني فرصة أصلّح كل حاجة.
لكن ريم رجعت لورا فورًا بخوف.
الخوف منه.
ودي كانت النهاية الحقيقية لأي حب بينهم.
أحمد شاور ناحية الباب
اطلع برا.
كريم اتوتر
أستاذ أحمد
قبل ما أنسى إن بنتي لسه محتاجاني عاقل.
كريم بص لريم آخر مرة
لكنها ما بصتلوش.
خرج وهو مكسور
لكن قبل ما الباب يقفل، لفّ وقال جملة خلّت الدم يتجمد في عروقي
أمي مش هتسكت أنتم متعرفوش هي تقدر تعمل إيه.
الباب اتقفل.
والشقة غرقت في صمت ثقيل.
ثم
رن موبايل أحمد برسالة واحدة.
فتحها
ولأول مرة من ساعة ما جه، لونه اتغير.
أنا اتخضيت
في إيه؟
رفع الموبايل قدامي ببطء.
وكانت الرسالة من رقم مجهول.
صورة قديمة جدًا
لأحمد.
ومعاه سميحة.
واقفين جنب بعض من أكتر من عشرين سنة.
وتحت الصورة مكتوب
فاكر الماضي كويس يا أحمد؟
ولا تحب بنتك تعرف إنت كنت مين قبل ما تبقى محترم؟
حكايات شروق خالد
أول ما شوفت الصورة حسّيت إن الهوا اتسحب
من الشقة.
ريم بصّت للموبايل ثم لأبوها.
إيه دي؟
أحمد ما ردش.
وده كان أول مرة أشوفه مش عارف يقول إيه.
الصمت بتاعه خوّفني أكتر من الرسالة نفسها.
قربت منه وخدت الموبايل من إيده.
الصورة قديمة فعلًا أحمد أصغر بسنين، واقف جنب سميحة، وفي وشه نفس النظرة الباردة اللي كنت بخاف منها زمان.
لكن اللي صدمني مش الصورة
كان تاريخها.
من قبل ما أنا وأحمد نتجوز أصلًا.
رفعت عيني عليه ببطء
إنت
تم نسخ الرابط