سر في نص الليل حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

بتشهق من العياط وقالت
أنا عندي سرطان في الدم يا خالد.. لوكيميا.
الجملة نزلت عليا زي الصاعقة. سكت تماماً. الأوضة بدأت تلف بيا.
كملت وهي بتمسح دموعها بإيد بتترعش
عرفت من شهرين.. الحالة كانت متأخرة ومحتاجة نقل دم وجلسات كيماوي مكثفة. مكنتش عايزة أقولك.. مكنتش عايزة أكسرك ولا أخلي سونيا تشوفني وأنا بقع قدامها. كنت بروح المستشفى وأنت في الشغل، والممرض ده أستاذ هاني كان بيجي بليل يركب لي كيس الدم أو يديني الحقن اللي بتخليني أقدر أقف على رجلي الصبح وأعملكم فطار وأوديها المدرسة كأن مفيش حاجة..
بصيت للممرض اللي كان واقف باصص في الأرض بإحراج، وبعدين بصيت للأكياس اللي في الشنطة.. كانت أكياس بلاستيك مكتوب عليها فصيلة O.
سارة قامت وسندت على كتفي وهي بتنهج
كنت باخد المنوم عشان متصحاش وتشوفني وأنا تعبانة أو وأنا بنقل دم.. مكنتش عايزة أسيب صورة الست العيانة في خيال بنتي.. كنت عايزة أفضل ماما القوية لحد آخر لحظة. سونيا شافت هاني وهو داخل كذا مرة، وكنت بحلفها متقولش عشان دي لعبة بينا.. مكنتش أعرف إنها هتقولك.
رميت نفسي على الكرسي وأنا حاسس إني أصغر إنسان في الدنيا. الشك اللي كان بياكل قلبي اتحول لوجع ملوش آخر. أنا كنت شاكك في شرفها، وهي كانت بتحارب الموت في السكت عشان متوجعش قلبي.
الممرض انسحب بهدوء وسابنا،
وسارة ارتمت في حضني وهي بتعيط
متزعلش مني يا خالد.. أنا بس كنت خايفة عليكم من الحزن.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح خرم إبرة، وشفت عينين سونيا الصغيرة بتبص علينا من ورا الباب.. كانت شايلة شنطتها البينك وساندة براسها على الحيطة، وقالت بصوت واطي
هو الراجل مشي يا بابا؟ هو خلى ماما تخف؟
عرفت ساعتها إن سونيا مكنتش بتحكي لي عشان تفضح سر، هي كانت بتحكي لي عشان كانت مستنية البطل اللي في نظرها يتدخل وينقذ ماما من الراجل اللي بيوجعها كل يوم بالليل.
حكايات شروق خالد
خدت سونيا في حضني، وشددت على سارة بإيدي التانية. الأوضة اللي كانت من لحظات مليانة شك ورعب، فجأة بقت مليانة حقيقة توجع أكتر من أي كدبة.
أيوة يا حبيبتي، الراجل مشي.
سونيا قربت بخطوات مترددة، ولمست إيد مامتها الزرقاء بحنية
بس أنتِ لسه بتعيطي يا ماما.. هو لسه واجعك؟
سارة مسحت دموعها بسرعة وابتسمت الابتسامة اللي كانت بتداري وراها جبل هموم
لا يا روح ماما، أنا كويسة طول ما أنتِ وبابا جنبي.
نيمنا سونيا في وسطنا الليلة دي. كانت ماسكة في إيدنا إحنا الاتنين كأنها خايفة حد فينا يهرب. سارة نامت من التعب، بس أنا عيني مغمضتش. كنت ببص للسقف وبفتكر كل مرة سألتها فيها مالك؟ وتقولي شوية صداع، كل مرة شفتها دايناً بتنهج وكنت بقول يمكن من شغل البيت.
تاني يوم الصبح،
مكنش فيه مجال للسكوت تاني.
قعدت مع سارة، ومسكنا الورق والأشعات مع بعض. مكنتش لوكيميا بس، كانت رحلة طويلة من العلاج بدأت من ورايا، بس كان لازم نكملها مع بعض.
ليه يا سارة؟ ليه شيلتي كل ده لوحدك؟
بصت لي بعيونها الدبلانة وقالت
عشان أنت كنت لسه طالع من أزمة شغلك، وسونيا كانت بتبدأ مدرستها.. كنت خايفة أهد البيت اللي أنت بتحاول تبنيه.
من يومها، مكنش فيه ممرض بيجي بليل في السر.
بقيت أنا اللي بوديها المستشفى، وأنا اللي بمسك إيدها وهي بتاخد الكيماوي. سونيا بقت المساعدة الصغيرة بتاعتي، بتفكرها بمواعيد الدوا وتغني لها عشان تنسى الوجع.
الحقيقة كانت مرة، والمرض كان بيسرق منها صحتها يوم ورا يوم، بس على الأقل مكنتش لوحدها. الشك اللي كان هيهد بيتنا، اتحول للقوة اللي خلتنا نتمسك ببعض أكتر.
وبعد شهور طويلة، وفي ليلة وسونيا نايمة، سارة بصت لي وقالت بصوت هادي
عارف يا خالد.. أنا كنت فاكرة إن حمايتي ليكم في إني أخبي وجعي، بس اكتشفت إن قوتي الحقيقية كانت في إني أشارككم الوجع ده.
بصيت لشنطة سونيا البينك المركونة في الصالة، وافتكرت اليوم اللي حكتلي فيه عن الراجل اللي بيدخل الأوضة، وحمدت ربنا إن بنتي مكنتش بتعرف تسكت.. لإن سكوتها كان ممكن يخلينا نخسر سارة للأبد، وإحنا فاكرين إن كل حاجة تمام.
حكايات شروق خالد
مرت سنة
على الليلة دي.
سارة دلوقتي قاعدة في البلكونة، الشمس مغيرتش ملامحها، بس الضحكة رجعت تنور وشها من تاني بعد ما خلصت آخر جلسة علاج. مكنتش رحلة سهلة، بس كانت حقيقية، وده الأهم.
سونيا كبرت سنة، ولسه بتصدق إن القمر بيمشي ورا العربية، بس بقت فاهمة إن الأبطال مش بس في القصص، إن بابا وماما كمان ممكن يتعبوا ويحتاجوا مساعدة.
في يوم، كنا بنرتب صور قديمة، وسونيا شافت صورة لماما وهي تعبانة أوي، بصت لي وقالت
بابا، فاكر لما قلتلك على الراجل اللي كان بيدخل أوضتكم؟
هزيت راسي وابتسمت بوجع خفيف
فاكر يا حبيبتي.
ضحكت وقالت
أنا كنت فاكرة إنه ساحر شرير بيسرق ضحكة ماما، بس لما شفتك بتمسك إيدها وبتروح معاها كل مكان، عرفت إنك الساحر الطيب اللي رجعلنا ماما من تاني.
بصيت لسارة، لقيتها بتبص لنا وعينيها مليانة لمعة مكنتش موجودة من زمان. اكتشفت إن البيوت مش بتتبني بالحيطان ولا بالأسرار، البيوت بتتبني بالصراحة، حتى لو كانت الصراحة دي بتوجع.
الحكاية بدأت بشك كان هيهد حياتي، وخلصت بيقين إن مفيش أغلى من العيلة اللي بتسند بعضها في وقت الشدة. وسونيا؟ سونيا لسه هي الرادار بتاعنا، اللي بتشوف اللي إحنا مش شايفينه، وبتحكي بكل بساطة عشان تنقذنا من نفسنا.
قفلت ألبوم الصور، وخرجنا الثلاثة نتمشى، والقمر كان لسه بيمحقنا.. بس المرة دي، كنا
إحنا اللي بنبتسم له.
سر في نص الليل
حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط