سر في نص الليل حكايات شروق خالد
بنتي سونيا عندها تمن سنين.
تمن سنين بس.
هي مش من نوع الأطفال اللي بيألفوا خيالات عشان يعملوا قصة، ولا من اللي بيكدبوا عشان يلفتوا الانتباه. حتى لما بتبقى متحمسة صوتها مش بيعلى. هي هادية ورقيقة، ولحد دلوقتي لسه مصدقة إن القمر بيمشي ورا عربيتنا عشان بيحبها.
عشان كدة، لما قالت الجملة دي بكل هدوء الصبح، فيه حاجة جوايا اتكسرت.
بابا.. فيه راجل بيدخل أوضتكم كل يوم بعد ما أنت بتنام.
إيدي اتزحلقت من على الدريكسيون.
أنتِ بتقولي إيه؟
فضلت باصة من شباك العربية وهي رايحة المدرسة، بتتفرج على المحلات والعربيات كأنها بتتكلم عن حالة الطقس.
بيمشي براحة أوي.. قالت كدة.. كأنه مش عايز الأرض تطلع صوت. ماما بتغمض عينيها بس مش بتقول حاجة.
مكاينش فيه خوف في صوتها.
ولا لخبطة.
كان فيه يقين وبس.
اليقين ده هو اللي خلى الدم يتجمد في عروقي.
سونيا.. أنتِ جبتي الكلام ده منين؟
هزت كتافها وبس.
بشوفه.
بقية الطريق كان تقيل أوي. الهوا جوه العربية كأنه بقى خنق. كنت كل شوية أبص لها في المراية، مستني ضحكة، هزار، أي علامة تقول إن ده خيال أطفال. مفيش. كانت بتظبط شنطتها البينك وبتدندن مع نفسها، كأنها محفرتش حفرة تحت رجلي بكلامها.
يمكن حلمت.
يمكن شافت حاجة على النت.
يمكن شافت خيال في الطرقة وتخيلت إنه شخص.
يمكن.
بس ساعات فيه جملة بتنزل في صدرك وجسمك بيصدقها قبل عقلك.
نزلتها قدام المدرسة. باست خدي وجريت على البوابة وشنطتها بتنط وراها. فضلت مراقبها لحد ما اختفت وسط الولاد، وحسيت إن الدنيا لفت بيا لثانية.
بعدها
مراتي كانت في المطبخ، زي كل يوم في الوقت ده. الشمس مالية المكان، ريحة القهوة والتوست في كل حتة. كانت لمة شعرها وابتسمت لي كأن مفيش حاجة حصلت.
رجعت بسرعة كدة؟
ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا، مكنتش عارف أبص في عينيها.
كنت عايز أضحك على نفسي.
كنت عايز أحكي لها اللي سونيا قالته وتفسرهولي في عشر ثواني.
كنت عايز أصدق إن بنتي اتلخبطت بين الحلم والحقيقة وإن بيتي لسه هو المكان الأمان اللي كنت فاكره.
بدل كل ده، وقفت وأنا ماسك مفاتيحي جامد، وبدأت ألاحظ حاجات عمري ما خدت بالي منها.
الهالات السودة اللي تحت عينيها.
كمام قميصها اللي دايما منزلاها رغم إن الجو حر.
الخضة البسيطة اللي بتحصل لها لما أقرب منها، كأنها كانت في عالم تاني ومحتاجة وقت عشان ترجع.
سألتني لو فيه حاجة، قلت لها كله تمام.
طول اليوم كنت ماشي في البيت كأني غريب مأجر شقة. كل صوت بقى عالي، وكل سكوت بقى يخوف. لما تليفونها رن على الرخامة، خطفته بسرعة أوي. ولما دخلت أوضة الغسيل ترد، سمعت جملة واحدة قبل ما توطي صوتها
النهاردة بليل طيب.. بعد ما ينام.
قلبي سقط في رجلي. اضطررت أسند على الحيطة.
طلعت بعدها بلحظة وهي شايلة الفوط، بمنتهى الهدوء، وسألتني تحب تاكل فراخ ولا مكرونة على العشا.
قلت لها مش فارق معايا.
بصت لي نظرة طويلة، كأنها حاسة إن فيه حاجة اتغيرت، بس محدش فينا اتكلم. لا على العشا، ولا لما سونيا كانت بتحكي عن المدرسة، ولا وأنا بساعدها في المواعين. فضلنا ساكتين لحد ما الليل دخل على البيت.
قبل
أنتِ فعلا بتشوفيه كل يوم؟
هزت راسها وهي على المخدة.
بيجي دايما لما الدنيا بتبقى ضلمة أوي. بيبقى شايل حاجة في إيده. ماما مش بتصوت خالص.. بتبقى بس شكلها حزين.
حزينة.
الكلمة دي كان لازم تخليني أهدى وأفكر.
بس ده محصلش.
مراتي دخلت السرير على الساعة حداشر. كانت ريحتها صابون وحاجة تانية معقمة معرفتش أحددها. سألتني لو كنت أخدت منوم، قلت لها أيوة وفتحت حنفية الحمام عشان تسمع الماية، بس تفيت الحباية في الحوض وحطيتها في جيبي.
نمت جنبها في الضلمة واستنيت.
كنت بطلع صوت نفس عالي.
منتظم.
كأني غرقان في النوم.
جنبي، نفسها هي كمان مكنش مظبوط. كان حذر أوي. نفس حد صاحي ومركز.
الساعة واحدة وتلتاشر دقيقة، باب الأوضة اتحرك.
مش مرة واحدة.
بالراحة.
زي حد متعود يعمل كدة.
خيط رفيع من نور الطرقة اترسم على الأرض.
وبعدها دخل حد.
راجل.
طويل. حذر. ملوش صوت.
قفل الباب وراه من غير ما القفل يكة. كان شايل في إيده شنطة سوداء رفيعة. منورش النور. كان عارف هو رايح فين بالظبط.
ناحية السرير.. ناحيتها هي.
جسمي كله اتخشب.
مراتي متحرکتش، بس شفت عينيها غمضت جامد، مش زي اللي نايم، زي اللي بيستعد لحاجة.
الراجل وقف جنبها. لثواني محدش اتكلم. بعدها وطى شوية، وبصوت واطي أوي وجعلي بطني، همس
مش هاخد أكتر من دقيقة.
مراتي هزت راسها هزة خفيفة أوي.
حسيت ببركان قايم جوايا. غضب.. ذل.. النوع اللي بيمحي العقل. كنت خلاص شايف نفسي وأنا بنط من فوق السرير عليه.
بعدها سمعت صوت تاني.
صوت شد بلاستيك.
جوانتي طبي.
ريحة تعقيم خفيفة ملت المكان. كحول. بلاستيك. ريحة نضيفة وباردة.
الشنطة السودة اتفتحت بتكة معدن بسيطة.
مراتي رفعت إيدها وهي بتترعش لياقة قميص نومها.
ولما الراجل وطى فوقيها، ومد إيده في الضلمة، وطلع حاجة رفيعة وفضية في خيط النور اللي جنب السرير، عرفت إن اللي هيحصل دلوقتي يا إما هيكشف خيانة.. يا إما هيفتح حقيقة كنت أعمى عنها، وإيدي كانت خلاص بتتحرك ناحية أباجورة النور لما
حكايات شروق خالد
إيدي لمست كبس النور ونورت الأوضة فجأة.
الراجل اتنفض لورا وهو مخضوض، ومراتي حطت إيدها على بؤها وصرخت صرخة مكتومة وهي بتترعش. الراجل كان لابس لبس كاجوال عادي، بس في إيده سرنجة طويلة وسنها بيلمع تحت النور، وفي الشنطة اللي معاه كان فيه أكياس دم ومحاليل.
وقفت في السرير وأنا بزعق بصوت مكنتش أعرف إنه عندي
أنت مين؟! وبتعمل إيه في بيتي؟!
مراتي رمت نفسها قدامي وهي بتعيط بهستيريا
استنى يا خالد! استنى والنبى هفهمك!
الراجل رفع إيده لفوق كأنه بيسلم نفسه، وقال بصوت هادي وبسرعة
يا أستاذ خالد أنا ممرض.. والله ممرض، مدام سارة هي اللي طلبت مني آجي في الوقت ده.
بصيت لمراتي وأنا مش فاهم حاجة.. يعني إيه ممرض؟ وليه بليل؟ وليه في السر؟
تفهميني إيه يا سارة؟ بنتك بقالها أيام بتشوف راجل بيدخل أوضتنا وأنا نايم وأنتِ ساكتة! أنتِ بتعملي إيه بالسرنجة دي؟
سارة قعدت على طرف السرير، ووشها كان لونه أبيض زي الورقة، ورفعت كم قميصها.. شفت منظر خلاني أدوخ. دراعها كله كان بقع زرقاء وبنفسجي من كتر الشكشكة،
بصت لي وهي