حين استعادَت حقي… وبدأت العائلة تتعلم أن لا قرار يُتخذ من دونها” حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

شعرت بالهدب. رائحة الهواء في الخارج مثل الأسفلت الساخن وصنوبر. كانت يداي ترتعشان بشدة لدرجة أنني أسقطت مفاتيحي مرتين.
بمجرد أن دخلت وأغلقت الباب، ضرب الذعر بقوة كاملة.
اتصلت بأمي أولاً.
البريد الصوتي.
والدي التالي.
البريد الصوتي مرة أخرى.
ثم أخي إرميا.
مشغول.
بالطبع كان مشغولاً.
اتصلت بالخط الأرضي المنزلي والداي لا يزالان يحتفظان به لأن كاميرون أحب امتلاك هاتف حقيقي مثل الأشخاص الحقيقيين. التقطت أمي الخاتم الثاني.
مرحبا؟ 
أمي. صوتي خرج خشنة. لماذا الناقلون في منزلي؟ 
كان هناك خشخشة في الخلفية، ربما فضيات، ثم تنهيدة منزعجة للغاية جعلت جلدي يشوك.
أليس، عزيزتي، لا يمكنني القيام بذلك معك الآن. نحن في وسط أزمة عائلية. 
هبطت الصياغة مثل الصفعة. ليس مرحبًا. ليس أين أنت. ليس هذا ما يبدو عليه.
ماذا فعلت؟ 
لقد فعلنا ما كان يجب فعله. 
وقفت للحظة، والهاتف في إيدي بيسخن، وكأن الجملة نفسها بتضغط على ودني.
إحنا عملنا اللي لازم يتعمل.
سكتت وبعدين قلت بهدوء مخيف أنا نفسي ما كنتش حاساه
يعني دخلتوا بيتي وبتبيعوه من غير ما تقولولي؟
جاء صوت أمي سريع، دفاعي، كأنها بتقفل باب
أختك محتاجة فلوس يا أليس. دي أزمة حقيقية. إنتِ عارفة إرميا عامل إزاي، والدين كبر، وإنتِ أصلًا دايمًا بعيدة ومش حاسة بالبيت.
ضحكت ضحكة قصيرة بس كانت ميتة.
فقررتم تحلوا الأزمة بإنكم تمسحوا حياتي؟
في الخلفية
سمعت صوت باب بيتفتح وصوت رجالي بيتكلموا.
وصوت باب تاني بيتقفل.
يعني الموضوع كان شغال وأنا واقفة على السقالة فاكرة الدنيا طبيعية.
أمي كملت، بنبرة كأنها بتدي درس
إنتِ عندك بيت تاني، وعندك شغلك، مش محتاجة ده كله. بلاش أنانية بقى.
أنانية
كررتها ببطء.
وبعدين قفلت الخط.
قفلت من غير ما أجادل.
من غير ما أعيط.
من غير ما أصرخ.
بس جوايا حاجة اتكسرت.
حاجة ما بترجعش.
في العربية، الطريق كان طويل بشكل مستفز.
وكل دقيقة كانت بتزود إحساس إن في حد بيشيل حياتي قدامي قطعة قطعة.
وصلت.
وشفت البيت.
باب مفتوح.
شاحنة كبيرة.
صناديق مكتوب عليها حاجاتي.
كرسي كنت قاعد عليه أول ما اشتريت المكان.
صور. كتب. أدوات. ذكريات.
كل حاجة بتتسحب بره كأنها مخلفات.
وأبويا واقف في النص.
مش متوتر.
مش قلقان.
لا.
كان مبتسم.
كأنه خلص شغل.
بصلي وقال بصوت عالي، قدام العمال
أخيرًا جيتي. خلصنا تقريبًا.
وقفت في الممر، وبصيت له.
مشيت ناحيته بهدوء.
إنت عملت إيه في بيتي؟
رد بكل بساطة
مش بيتك لوحدك. ده بيت العيلة. وإرميا كان محتاج، وإنتِ مش بتستخدميه.
ضحكت المرة دي فعلاً ضحكت.
ضحكة قصيرة جدًا.
مش بستخدمه؟
لفيت عيني على المكان على حياتي وهي بتترمي في صناديق.
إنتوا مش بس دخلتوا بيتي إنتوا مسحتوا وجودي.
أبويا زفر
متكبريش الموضوع.
وقفت قدامه.
قربت خطوة.
وصوتي نزل جدًا بس كان ثابت
أنا مش بكبر الموضوع.
أنا بحدده.
طلع موبايله بسرعة كأنه مش واخدني
بجد
لو عايزة تشتكي، اشتكي. الورق كله قانوني.
هنا كل حاجة سكتت جوايا.
مش غضب بس.
لا.
ده كان قرار.
خرجت الموبايل بتاعي، وفتحت جهة الاتصال اللي عمري ما استخدمتها إلا في أسوأ الحالات.
المحامي الخاص بيا.
اتصلت.
رد فورًا
سيادة اللواء؟
قلت بهدوء قاتل
عايزة أمر إيقاف فوري لأي تصرف على العقار رقم وإثبات استخدام توكيل ملغي من سنين.
سكت لحظة على الطرف التاني وبعدين قال
حاضر. اعتبريه اتقفل.
قفلت.
ورفعت عيني لأبويا.
اللي حصل ده مش بيع.
ده تعدي قانوني.
وشه اتغير لأول مرة.
مش خوف
ده إدراك متأخر.
في اللحظة دي، صوت حد من العمال وقف
يا فندم إحنا مش هنكمل النقل.
الشاحنة بطّلت تتحرك.
وأنا وقفت في النص
بين بيت بيترجع،
وعيلة بدأت تفهم متأخر جدًا إن اللي كانوا فاكرينه سكوت
كان صبر.
ورفعت راسي.
لأول مرة في المكان ده
من غير ما أحس إني أقل.
حكايات شروق خالد
الهواء في الممر اتغير فجأة.
مش عشان الجو
لكن عشان الحقيقة بدأت تتحرك.
أبويا بص حوالين نفسه، كأنه بيدور على مخرج سريع من الموقف.
العمال وقفوا فعلاً واحد منهم قفل باب الشاحنة نص قفلة، والتاني ساب صندوق كان شايله على الأرض.
واحد قال بتوتر
يا فندم إحنا مش عايزين مشاكل قانونية.
أبويا رد بسرعة، بنبرة فقدت ثباتها
مفيش مشاكل. كمّلوا شغلكم.
بصيت له بهدوء، وقلت
مفيش حاجة هتتكمل.
قربت خطوة من الصناديق اللي كانت خارجة من بيتي من حياتي.
لمست واحد منهم. عليه اسمي بخط
أمي.
سألتها وأنا مش باصة لها مباشرة
مين قال إنكم تقدروا تاخدوا حاجة من غير إذني؟
صوتها طلع من ورايا، أقل حدة من الأول
أليس إحنا أسرة. المفروض نحل مشاكلنا مع بعض.
لفيت لها ببطء.
أسرة؟
الأسرة ما بتدخلش بيت حد وتسرق منه عشان حد تاني.
سكتت.
أبويا تدخل، محاول يرجع السيطرة
إنتي بتكبري الموضوع تاني. إحنا كنا بننقذ أخوكي.
ضحكت مرة تانية بس المرة دي مفيهاش أي خفة.
تنقذوه على حسابي؟
ولا حتى سؤال؟ ولا مكالمة؟
بصيت على البيت على الباب المفتوح، على الفراغ اللي بيتعمل جوا كل دقيقة.
إنتوا ما سيبتوش لي مساحة أشرح.
إنتوا قررتوا بدالي.
الصمت وقع تاني بس المرة دي مختلف.
مش صمت غباء
ده صمت مواجهة.
سألت فجأة
فين إرميا؟
أبويا رد بسرعة
في المستشفى ضغطه وقع من التوتر.
رفعت حاجبي بهدوء
من التوتر؟
ولا من قراراتكم؟
ما ردش.
المحامي رن عليا في اللحظة دي.
رديت.
سيادة اللواء تم إرسال إنذار رسمي للموقع. أي نقل بعد اللحظة دي يعتبر مخالفة صريحة.
قلت
تمام.
قفلت.
بصيت للعمال
أي حاجة تتحرك من هنا بعد كده هتتحاسبوا عليها قانونيًا.
واحد منهم قال بسرعة
إحنا هنوقف يا فندم.
بدأوا فعلاً ينسحبوا.
الصناديق رجعت توقف في مكانها كأن الحياة نفسها قررت توقف العبث.
أبويا قال بصوت منخفض لأول مرة
إنتي مش هتعملي كده فينا.
بصيت له.
أنا ما عملتش حاجة فيكم.
أنا بس بوقفكم عند حدكم.
أمي قربت خطوة، صوتها مكسور لأول مرة
إحنا كنا فاكرين إنك
هتفهمي.
هزيت راسي ببطء
إنتوا ما ادتونيش فرصة أفهم.
سكتت.
والسكوت المرة دي ما كانش دفاع.
كان اعتراف.
وقفت وسط الممر بين بيت بيتقفل تاني، وعيلة لأول مرة بتشوف نفسها من غير
تم نسخ الرابط