الجده غاليه حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

في حارة ضيقة.
بعد الحفلة بكام يوم، أدهم المنشاوي كان قاعد في مكتبه، بس المرة دي مكنش المكتب بارد ولا كئيب. الباب خبط ودخل مازن ومعاه ورقة قبول في منحة كاملة لجامعة مرموقة بره مصر. مازن كان وشه منور، بس كان فيه تردد في عينيه.
أنا مش هقدر أسافر يا حضرة المدير، مازن قالها وهو باصص للأرض، مقدرش أسيب جدتي لوحدها بعد كل اللي حصل، هي محتاجالي.
أدهم ابتسم وقام من ورا مكتبه، وراح حط إيده على كتف مازن وقال له جدتك بقت في أمان يا مازن. أنا جهزتلها أوضة في دار رعاية فندقية، ملكية خاصة تابعة لعيلتي، هتكون وسط ناس وسنها وهتلاقي رعاية طبية 24 ساعة. وإنت لازم تمشي ورا حلمك عشان هي تفخر بيك أكتر.
مازن مكانش عارف يشكره إزاي، بس أدهم كمله بلهجة فيها حزم الأب وده مش تبرع يا مازن، ده استثمار. أنا عايزك تروح وتتعلم وترجع تمسك مكاني هنا، أو تبني مؤسسات تانية تساعد اللي زيك. البلد محتاجة رجالة زيك مش بس متعلمين، لا.. وعندهم أصل.
مرت السنين، وأدهم كبر وطلع معاش، وفي يوم كان قاعد في جنينة بيته، لقى عربية شيك وقفت قدام الباب. نزل منها شاب طويل، بملامح واثقة، وجري عليه وحضنه. كان مازن، بس المرة دي راجع ومعاه شهادة الدكتوراه في تطوير التعليم.
مازن مكنش راجع لوحده، كان معاه مشروع عمره سلسلة مدارس مجانية للمتفوقين من المناطق العشوائية، وسماها مؤسسة أدهم المنشاوي لرعاية الأبطال.
أدهم دمع من الفرحة وهو شايف بذرة الخير
اللي زرعها في لحظة ندم بقت شجرة كبيرة بتضلل على آلاف الغلابة. وبص لمازن وقاله دلوقتي بس يا ابني أقدر أقول إني أديت رسالتي في الدنيا.
الحكاية قفلت على مشهد الاتنين وهم داخلين يزوروا الجدة غالية اللي كانت لسه عايشة ببركة دعواتها، عشان يثبتوا للعالم إن مفيش حد بيضيع عند ربنا، وإن جبر الخواطر هو اللي بيصنع المعجزات الحقيقية.
حكايات شروق خالد
في يوم افتتاح أول فرع للمؤسسة، كانت المنطقة العشوائية اللي مازن طلع منها هي اللي استضافت الحفلة. الشوارع اللي كانت كلها طين وزبالة، اتنظفت واتفرشت سجاد أحمر، والعيال الصغيرة كانت واقفة بتبص لمازن وأدهم بانبهار، وكأنهم شايفين أمل جديد بيتولد وسط الخرابة.
مازن وقف على المنصة، وبص للناس وقال بصوت عالي المكان ده مش بس مدرسة، المكان ده هو فرصة تانية. أنا في يوم من الأيام كنت مطرود ومنبوذ، وكنت فاكر إن الدنيا قفلت أبوابها في وشي، بس لولا الراجل ده.. وشاور على أدهم اللي كان قاعد في الصف الأول بيمسح دموعه بتركيز، .. لولا إنه بص لقلبي قبل ما يبص لهدومي المقطعة، مكنتش هبقى واقف قدامكم النهاردة.
أدهم قام وطلع على المسرح، والناس كلها وقفت تسقف بجنون. أدهم خد المايك وقال كلمتين بس هزوا المكان التعليم مش كتب وامتحانات، التعليم هو إننا نشوف البني آدم اللي جوه الطالب. أنا كنت مدير فاشل طول 30 سنة، وبقيت مدير ناجح بس في اللحظة اللي دخلت فيها بيت مازن وفهمت يعني إيه
تضحية.
وفجأة، وسط الزحمة، ظهر واحد من البلطجية اللي كانوا هجموا على بيت الجدة زمان. كان شكله تعبان وهدومه قديمة، وكان واقف بعيد خايف يقرب. مازن لمحُه، وبدل ما يطلب له البوليس، نزل من على المسرح وراح له.
الراجل خاف ورجع لورا، بس مازن حط إيده على كتفه وقاله متخافش.. لو عندك ولاد وعايزهم يطلعوا أحسن منك، المدرسة دي مفتوحة ليهم. إحنا هنا عشان نكسر دايرة الفقر والجهل، مش عشان ننتقم.
الراجل انهار وعيط وباس إيد مازن، والمشهد ده كان أقوى درس في التسامح شافه أهل المنطقة.
الحكاية خلصت ومازن وأدهم ماشيين في ممرات المدرسة الجديدة، والشمس كانت بتغيب وبتعلن نهاية يوم وبداية حياة جديدة لآلاف الأطفال. أدهم بص لمازن وقاله عارف يا دكتور مازن، أنا دلوقت مستعد أقابل ربنا بقلب مطمن.
مازن رد عليه وهو بيضحك لسه بدري يا سيادة المدير، إحنا لسه ورانا مناطق كتير محتاجة تترسم فيها ضحكة زي دي.
والمشهد الأخير كان لليافطة الكبيرة المتعلقة على باب المدرسة، مكتوب عليها بخط دهبي عريض هنا نصنع الرجال.. قبل أن نعلم الأجيال.
ومرت سنين تانية، وبقى مازن هو الوزير المسؤول عن التعليم في البلد كلها، بس عمره ما نسي أصله ولا نسي أدهم المنشاوي. وفي يوم، جاله خبر إن أدهم تعبان جداً وفي أيامه الأخيرة. مازن ساب كل حاجة في إيده وجري على المستشفى، ودخل الأوضة لقى أدهم وشه شاحب بس فيه هدوء غريب.
أدهم فتح عينه بالعافية ولما شاف مازن
ابتسم وقال بصوت واطي يا سيادة الوزير.. كنت مستنيك.
مازن مسك إيده وباسها وهو بيعيط أنا لسه الطالب بتاعك يا سيادة المدير، ولسه بتعلم منك.
أدهم شاورله يقرب من ودنه وقاله الوصية الأخيرة يا مازن.. فيه ملف في مكتبي القديم، فيه أسماء طلبة اتفصلوا زمان قبل ما أقابلك.. أنا كنت فاكر إني بطبق القانون، بس كنت بدبح أحلامهم. دور عليهم واحد واحد، واللي لسه فيه أمل ساعده، واللي ضاع كفّر عن ذنبي في ولاده.
مازن هز راسه بالموافقة والدموع مغرقة وشه. أدهم غمض عينه وهو مرتاح، وكأنه كان مستني اللحظة دي عشان يسلم الأمانة كاملة.
بعد العزاء، مازن نفذ الوصية بالحرف. فتح الملف القديم اللي كان ريحته تراب وندم، وبدأ يدوّر على المطرودين. لقى واحد شغال سواق، وواحد تاني ضاع في السكة الغلط، وواحد تالت فاتح ورشة صغيرة. مازن نزلهم بنفسه، وبدأ يفتح لهم أبواب رزق وتعليم لعيالهم، وكان بيقول لكل واحد فيهم دي هدية من أدهم المنشاوي، كان باعتلك اعتذار.
وفي ليلة، مازن كان واقف في البلكونة بتاعته، وبص للسما ودعى لأدهم ولجدته اللي سبقته، وحس إن الرسالة كملت. الحكاية اللي بدأت بخناقة ودم وطرد، انتهت بنور مالي بيوت كتير كانت مضلمة.
العبرة اللي فضلت محفورة في قلب كل اللي عرفوا الحكاية، إن الضربة اللي مش بتموتك بتقويك، وإن الوجع ممكن يكون هو الباب اللي بيفتح لك جنة مكنتش تحلم بيها.. بس المهم تلاقي القلب اللي يشوف الحقيقة وسط الضلمة.

الجده غاليه
حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط