الجده غاليه حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

المدير أدهم المنشاوي رزع ملف الجلد الغالي على مكتبه الأبنوس بهيستيريا. الخبطة عملت صوت زي الرعد في مكتبه الشيك والبارد، لدرجة إن مازن شاب عنده 18 سنة كش في نفسه ووطى راسه أكتر. الولد كان شفته مفتوحة، وعينه اليمين وارمة ومزرقة، وقميص المدرسة الأبيض الغالي متقطع ومتبهدل تراب ودم ناشف.
أنا مش قادر أفهم يا مازن! إنت المرشح الأول عشان تطلع الطالب المثالي على الدفعة كلها. فاضل شهر واحد بس على حفلة التخرج! وألاقيك نازل ضرب في العيال ورا الجيم القديم زي المجرمين؟ زعق المدير أدهم وهو وشه أحمر وعروق رقبته ناطحة من الغضب.
أدهم كان معروف في البلد كلها إنه مدير ملوش قلب، راجل حديد بقاله 30 سنة في التعليم وعمره ما سامح في غلطة صغيرة. بالنسبة له، سمعة مدرسته أهم من أي حاجة.
مازن فضل ساكت تماماً. كان قفل إيده الاتنين جامد فوق ركبته، وعينه في الأرض الرخام، ومطقش ولا بكلمة يدافع بها عن نفسه. نفسه كان عالي ومخنوق، بس لسانه ملموم.
بما إنك رافض تتكلم وتقولي كنت بتخانق ليه زي الشبيحة في مدرستي، فإنت كدة مسبتليش حل تاني. أنا هسحب منك المنحة دلوقتي حالاً، وإنت مفصول نهائي. أنا مش محتاج عيال بيئة بتاع مشاكل في مدرستي!، ده كان حكم المدير أدهم بصوت قاسي ومفيهوش ذرة رحمة.
ومن غير تفكير، مسك قلمه الماركة ومضى على ورقة الفصل النهائي. اتفضل امشي. وأنا بنفسي هاخد نسخة من الورقة دي لجدتك في منطقتكم النهاردة العصر، عشان أنهي علاقتك بالمدرسة دي للأبد. أنا عايزها تعرف هي ربت خيبة شكلها إيه.
الساعة كانت داخلة على 5 العصر لما المدير أدهم ركن عربيته المرسيدس في أطراف منطقة عشوائية وخطيرة

جداً، حتة شعبية فوق الجبل هي دي اللي ساكن فيها مازن. كان ماسك في إيده ظرف فيه ورق الفصل، وعلى وشه نظرة قرف. اضطر يمشي على رجله لأن العربية مستحيل تطلع الشوارع الضيقة دي. وهو ماشي وسط الزبالة والطين والشوارع اللي مش متبلطة، كان بيسأل نفسه إزاي ولد شاطر كدة استسلم لبيئته العنيفة دي.
أول ما وصل قدام بيت صغير، مبني بخشب قديم وطوب أحمر من غير محارة وسقف صاج مصدي، المدير وقف مكانه فجأة. من برة، كان سامع بوضوح صوت زعيق رجالة وصوت إزاز قزايز بيتكسر في الحيطة.
هاتي الفلوس اللي معاكي يا ولية يا عاجزة! إحنا عارفين إنك كنتِ شايلة قرشين عشان عمليتك!، ده كان صوت راجل خشن وبيخوف طالع من جوه، ومعاه صوت تكة مطوة بتتفتح.
المدير أدهم اتسمر مكانه قدام الباب، وجسمه كله قشعر. مكنش مصدق الكابوس اللي هيشوفه بعينه حالا...
حكايات شروق خالد 
أدهم المنشاوي إيده اترعشت والظرف وقع منه على الأرض. من غير تفكير، زق الباب الموارب ودخل، وشاف منظر خلاه يحس إن الدم اتجمد في عروقه.
تلات رجالة شكلهم يرد الروح، سرسجية من بتوع المنطقة، كانوا محاصرين ست عجوزة قاعدة على كرسي متحرك في ركن الأوضة، وشها كان شاحب ومرعوب. واحد منهم كان ماسك مطوة وفاتحها قدام وشها، والتاني كان بيقلب في دواليب الخشب المكسرة وبيرمي الهدوم في الأرض بيدور على أي مليم.
قلنا فين الفلوس يا غالية؟ الزعيم بتاعهم قالها وهو بيضحك ضحكة صفرا، ولا نستنى لما مازن يرجع ونكمل عليه اللي بدأناه الصبح؟
أدهم فهم كل حاجة في لحظة. مازن مكنش بيتخانق زي الشبيحة، مازن كان بيحاول يحمي بيت جدته، والعيال اللي اتخانق معاهم في المدرسة كانوا
قرايب البلطجية دول أو بعتينهم يراقبوه.
سيبوها! صرخ أدهم بصوت مهزوز بس مليان غضب.
البلطجية لفتوا بوشهم واستغربوا من لبس أدهم الشيك اللي مش لايق على المكان. وإنت تطلع مين يا باشا؟ واحد منهم سأله وهو بيقرب منه بالمطوة، جاي تدافع عنهم؟
قبل ما حد يرد، مازن ظهر فجأة عند الباب، كان لسه بهدومه المقطعة ووشه المورم. أول ما شاف المدير في بيتهم، ملامحه اتغيرت من الرعب للكسوف. جرى بسرعة ووقف قدام جدته يحميها بجسمه، وبص للمدير وقال بصوت مخنوق أرجوك يا حضرة المدير.. امشي من هنا.. مالكش دعوة بينا، دي حياتنا.
البلطجية لما شافوا إن فيه غريب وشكله واصل وممكن يبلغ البوليس، قرروا يهربوا بس بعد ما واحد منهم خبط مازن بضهر المطوة في كتفه وزق أدهم وهو خارج.
الأوضة هديت، بس كان صوت عياط الجدة المكتوم هو اللي مالي المكان. أدهم بص لمازن اللي كان بيطمن على جدته وبيمسح دموعها بإيده اللي لسه بتنزف. بص على ورق الفصل اللي كان واقع في الطين عند الباب، وحس إن الورقة دي هي جريمة هو ارتكبها في حق أنبل طالب شافه في حياته.
أدهم نزل على ركبه في الأرض، قدام مازن وجدته، والدموع نزلت من عينه لأول مرة من سنين. أنا آسف يا ابني.. أنا كنت أعمى.
مسك إيد مازن وباسها وهو بيقول بصوت متقطع أنا جيت هنا عشان أطردك من المدرسة، بس اكتشفت إنك إنت اللي المفروض تعلمني يعني إيه رجولة. حقك عليا.. والله لآخدلك حقك، ومن بكرة هترجع المدرسة، وعملية جدتك دي في رقبتي أنا.
مازن بصله بذهول والدموع في عينه، والمدير أدهم المنشاوي، الرجل الحديدي، فضل يعيط من كتر الندم وهو شايف الوجع والفقر اللي مازن كان بيواجهه لوحده كل يوم
وهو صامد ومتفوق. من اليوم ده، أدهم اتغير تماماً، ومبقاش بيحكم على حد من مظهره، لأن خلف الهدوم المقطعة والوشوش المورمة، ممكن تلاقي أبطال حقيقيين الدنيا جاية عليهم.
حكايات شروق خالد
المدير أدهم قعد شهر كامل مبيسيبش مازن ولا لحظة. نقل جدته لأكبر مستشفى في القاهرة، ودفع تكاليف العملية من جيبه الخاص كأنه بيغسل ذنبه. وفي المدرسة، أدهم جمع المدرسين والطلبة كلهم في طابور الصباح، ووقف مازن جنبه وهو لابس بدلة جديدة شيك جداً جابهاله المدير بنفسه.
أدهم وقف قدام المايك وصوته كان فيه رعشة فخر مش ندم أنا النهاردة مش هكرم الطالب المثالي عشان درجاته، أنا هكرمه عشان علمني درس عمري ما نسيته. مازن هو البطل اللي شال شيلة مفيش راجل بشنبات يقدر يشيلها، وكان بيواجه الشياطين بالليل وبيجيلنا المدرسة الصبح بيبتسم وبيجيب امتياز.
يوم حفلة التخرج، مازن مكنش بس الطالب المتفوق، ده كان ابن أدهم المنشاوي اللي مخلفوش. الجدة حضرت الحفلة على كرسي متحرك جديد، وهي بتضحك والدموع في عينيها وهي شايفة حفيدها بيستلم شهادته والكل واقف بيسقف له بحرارة.
لما مازن خلص كلمته، نزل من على المسرح وراح لأدهم وحضنه جامد وهمس في ودنه شكراً يا سيادة المدير، لولا قسوتك في الأول مكنتش عرفت إن لسه فيه قلوب طيبة زيك.
أدهم طبطب على ضهره وهو بيمسح دمعة خفيفة وقال له يا ابني، أنا اللي بشكرك.. إنت اللي أنقذتني من قلبي الحجر قبل ما أنا أنقذ مستقبلك.
ومن اليوم ده، ملقبوش أدهم ب الرجل الحديدي تاني، بقى لقبه أب الغلابة، وبقت قصة مازن والمدير أسطورة بتتحكي في ممرات المدرسة، عن إن العين ممكن تغلط، بس القلب الصافي دايماً
بيشوف الحقيقة مهما كانت مستخبية
تم نسخ الرابط