القلم اللي هد إمبراطورية حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

صوت القلم ضرب في ممر الدور الرابع في مستشفى "سانت جابرييل" زي طلقة رصاص مكنش حد متوقعها.
لثانية واحدة، كل حاجة سكتت؛ أصوات أجهزة المراقبة، عجل ترابيزة الأدوية، وشوشة الممرضات، وحتى رنة الأسانسير. كل حاجة وقفت حوالين الممرضة الحامل اللي كانت واقفة ضامة ملفات المرضى لصدرها، وإيدها بتترفع ببطء لخدها اللي بدأ يحمرّ ويبان عليه أثر الضربة.
"سارة" كانت حامل في الشهر السابع، عندها 41 سنة، وقضت آخر 16 ساعة بتساعد أهالي ناس تانية عشان يعدوا أصعب أيام حياتهم. رجليها كانت واجعة ضهرها قايد نار، ولبس التمريض الأزرق كان مكرمش عند بطنها. مالحقتش تتغدى عشان مريض ضغطه وقع فجأة وهي رايحة تقعد، ومع ذلك فضلت مبتسمة؛ لأن الممرضات ملهومش حق ينهاروا طول ما الناس حواليهم منهارة.
الراجل اللي واقف قدامها مكنش فارق معاه كل ده.
"مراد المنشاوي" كان واقف على بعد مترين،

لابس بدلة سعرها أغلى من مرتب سارة في سنة كاملة. شعره متسرح بدقة، وساعته بتلمع تحت أنوار المستشفى. لسه طالع من جناح خاص للمتبرعين الأغنياء، وكاد يخبط فيها، ولما رجعت لورا وهي بتعتذر، ضربها بظهر إيده على وشها.
بكل قوة..
وبقصد..
وبعدها "ابتسم".
"بصي وانتي ماشية،" قالها وكأنها حتة جماد محطوط غلط في طريقه.
طالب الطب اللي كان واقف شهق من الصدمة، وعامل النظافة اتجمد مكانه. سارة بصت له وهي مش قادرة تنطق. الجنين اتحرك جواها، ركلة صغيرة تحت ضلوعها، وهي دي الحركة اللي منعتها تعمل أي تصرف متهور. بلعت الإهانة، وبلعت غضبها، وبلعت الدموع اللي حرقت عينيها فجأة.
مراد بص على الكارنيه اللي متعلق على لبسها.
"سارة الشافعي، ممرضة."
ابتسامته وسعت، بس مكنتش ابتسامة ضحك، كانت ابتسامة "حقارة".. ابتسامة حد شايف اللي قدامه ملوش قيمة. بعدها لف وراح للأسانسير وكأن مفيش
حاجة حصلت.
كأن سارة دي "ولا حاجة".
كأن الست اللي لسه ضاربها دي مفيش جواها روح، ولا وراها حكاية، ولا عندها عيلة، ولا وراها راجل مستنيها في البيت قضى 25 سنة من عمره بيتعلم إزاي الرجالة الأقوياء بيخبوا نقط ضعفهم جوه "العقود والشركات".
سارة ما عيطتش غير لما دخلت أوضة الاستراحة.
وحتى وقتها، عيطت في سرها، قفلت على نفسها الحمام وفضلت ساندة بإيد على الحوض والإيد التانية على بطنها بتحمي ابنها.
همست لبطنها: "أنا كويسة.. إحنا كويسين."
بس خدها كان لسه بيحرقها، وكرامتها كانت واجعاها أكتر.
الساعة 5:12 المغرب، اتصلت بجوزها.
"إياد الشافعي" رد من مكالمة واحدة وهو في مكتبه الهادي. إياد مكنش راجل بتاع زعيق، وعمره ما كان صوته عالي. الناس اللي كانت بتفتكر هدوءه ده "ضعف" كانوا بيكتشفوا الحقيقة متأخر جداً؛ إياد صوته مش بيعلى لأنه ببساطة مش محتاج يعليه.
"سارة؟"
قالها. "إنتي كويسة؟"
سكتت لحظة.
"محتاجة تسمعني للآخر قبل ما تاخد أي رد فعل."
إياد ساب التقرير المالي اللي كان في إيده.
"قولي.. سامعك."
"البيبي كويس، وأنا كويسة، والدكتور طمني."
إيده ضغطت على التليفون.
"إيه اللي حصل؟"
"في راجل ضربني."
الأوضة حوالين إياد كأنها ضاقت فجأة.
"مين؟"
"معرفش. كان خارج من جناح المتبرعين. طويل، كبير في السن، لابس بدلة غالية جداً. كان متعصب، وأنا كنت شايلة الملفات جنب الأسانسير، وقال إني واقفة في طريقه."
إياد وقف ببطء.
"لمس بطنك؟"
"لأ، وشي. ضربني بظهر إيده."
إياد غمض عينيه.
"حد شاف الموضوع ده؟"
"طالب طب، وممكن كاميرات المراقبة. إياد.. هو ابتسم بعد ما ضربني."
الجملة دي هي اللي غيرت كل حاجة.
إياد كان ممكن يعدي العصبية، أو التكبر، أو حتى غلطة راجل فقد أعصابه واعتذر بعدها.
لكن "الابتسامة"؟
الابتسامة معناها إن الراجل ده فاكر
إن العقاب ده للناس الغلابة بس، مش ليه هو.

تم نسخ الرابط