دموع على بلاط المطبخ شروق خالد

لمحة نيوز

 يا تختار الأم اللي شافت حفيدة دمها 'عيب' وراثي."
جوليان وطى راسه ومقدرش ينطق حرف.
بعد أسبوع، استلمت بهيرة في القصر. مكنتش عايزة أسيبها في مستشفى، كنت عايزة "أرعاها" بنفسي.
دخلت عليها الأوضة وهي قاعدة على الكرسي الرخيص اللي جبتهولها، كان بيزيق مع كل حركة وبيحك في البلاط. مكنتش بقدر أخلي حد يلمسها غيري.
قربت منها وأنا بمسح على شعرها بحنان مزيف وقلت لها: "فاكرة لما قلتي لي إن مايا لازم تتعلم تستخدم عضلاتها؟ أنا قررت أمشي على نصيحتك. لغيت كل جلسات العلاج الطبيعي ليكي. مش أنتِ ست قوية وبتحبي العزيمة؟ وريني عزيمتك وانتي بتحاولي تقومي من الكرسي ده لوحدك."
بهيرة كانت بتبص لي برعب، لسانها كان تقيل بس عينيها كانت بتصرخ.
مايا دخلت الأوضة بكرسيها المتطور، وقفت قدام جدتها وبصت لها ببراءة وقالت: "يا تيتة، لو عايزة تروحي الجنينة أنا ممكن أزقك، بس ماما قالت لي إنك قوية ومش محتاجة مساعدة حد."
في اللحظة دي، بهيرة عرفت إن السجن مش لازم يكون قضبان حديد، السجن ممكن يكون "كرسي متحرك" في بيت ملوش فيه صاحب، وسط ناس بتعاملها بنفس "القوة" والجفاء اللي هي زرعته.
الست اللي كانت شايفة الضعف عيب، بقيت هي العنوان الأكبر للضعف في البيت.. وكل ما كانت بتحاول تطلب مساعدة، كنت بفكرها بجملتها الشهيرة: "بلاش تمثيل يا بهيرة.. العيلة دي مبتقبلش الضعفاء".
مرت الشهور، وتحول القصر اللي كان بيترعش من صوت خطوات بهيرة لسجن صامت مبيسمعش فيه غير صوت تزييق الكرسي

بتاعها. جوليان مكنش قادر يواجهني، مكنش قادر حتى يبص في عين أمه؛ لأنه كل ما بيبص لها بيفتكر منظر بنته وهي بتزحف، فانسحب من حياتنا بالتدريج وساب لي "الإدارة الكاملة".
في يوم، كنت واقفة قدام بهيرة وهي في ركنها المعتاد، عينيها كانت متعلقة بصورة العيلة القديمة اللي متعلقة على الحيطة. بصيت لها وقلت بصوت واطي:
"عارفة يا بهيرة.. أغرب حاجة في السلسلة الغذائية اللي كنتِ بتؤمني بيها، إن القوي مش هو اللي معاه فلوس، القوي هو اللي بيعرف يصمد لما يقع. أنتِ وقعتي من أول جولة."
طلعت من جيبي ورقة، كانت فاتورة بيع الكرسي القديم اللي هي باعته. "بعته بخمسة آلاف دولار مش كدة؟ أنا اشتريته تاني بنفس السعر.. بس مش عشان تستخدميه."
شاورمت للممرضين، ودخلوا وهما شايلين الكرسي القديم بتاع مايا، الكرسي اللي كان متبهدل ومطفي. حطوه في نص الصالة قدام عينيها بالظبط.
"الكرسي ده هيفضل هنا يا بهيرة، ذكرى لكل كلمة قلتيها، وكل قطرة دم نزلت من ركب بنتي. الكرسي ده دلوقتي هو 'التمثال' اللي بيمثل إرث عيلة المنشاوي الحقيقي.. إرث القسوة اللي ارتدت لصاحبها."
بهيرة بدأت تطلع أنين مكتوم، وشها بدأ يحمر كأنها عايزة تصرخ، عينيها كانت بتقول "ارحميني".
قربت منها ومسكت إيدها المرتعشة وضغطت عليها براحة: "الرحمة للضعفاء يا بهيرة.. وأنتِ علمتيني إن الضعف 'عيب وراثي'. أنا بس بنفذ قوانينك."
في اللحظة دي، دخلت مايا وهي بتجري بكرسيها الجديد، كانت بتضحك وبتلعب مع الكلب بتاعها في
الصالة، وبكل براءة وهي معدية من جنب جدتها، حدفت لها وردة في حضنها وقالت لها: "تيتة، لو اتعلمتي تقومي، هعلمك إزاي ترسمي بالباستيل."
بهيرة غطت وشها بإيدها السليمة وبكت.. بكت لأول مرة بحرقة، مش من الوجع، لكن من الخزي. عرفت إنها مش بس خسرت قدرتها على المشي، هي خسرت سلطتها، وخسرت كرامتها، والأصعب من ده كله.. إنها بقت عايشة عالة على الشخص اللي حاولت تكسره.
دي كانت نهايتها.. ست محبوسة جوه جسمها، في بيت مابقاش ملكها، بتراقب "الضعيفة" وهي بتكبر وتعيش حياتها بكل قوة، بينما هي بتستنى الموت عشان يخلصها من سجن الكرسي اللي كان بيزيق مع كل نبضة في قلبها الميت.
مرت سنة كاملة.
البيت اللي كان زمان بيحكمه صوت كعب جزمتها العالي، بقى دلوقتي بيحكمه صوت "تزييق" العجل بتاعها. بهيرة مكنتش مجرد مشلولة، كانت "سجينة الذكريات". كل ركن في المطبخ بيفكرها بمنظر مايا وهي بتزحف، وكل نظرة شفقة من الخدم كانت بتدبح كبريائها أكتر من المرض نفسه.
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، دخلت عليها أوضتها. كانت قاعدة قدام الشباك بتبص للفراغ.
قعدت قدامها وحطيت كوباية شاي دافية على الترابيزة، وقلت لها بهدوء: "عارفة يا بهيرة.. النهاردة كان ميعاد العملية الأخيرة لمايا. الدكتور بيقول إنها بفضل الكرسي المتطور والعلاج الطبيعي المكثف، بدأت تقف على رجلها لثواني."
شفت عينيها اتسعت، لمعة غيرة على ندم على صدمة.. خليط غريب.
كملت كلامي: "يعني بنتي اللي كنتِ عايزة تقصيها من شجرة العيلة،
هي الوحيدة اللي هتفضل واقفة وشايلة اسم العيلة دي بجد. أما أنتِ.. فـ الكرسي ده بقى جلدك التاني. مش قادرة تخلعي منه."
بهيرة حاولت تتكلم، شفايفها اترعشت وطلعت كلمة واحدة بالعافية، كانت طالعة مبحوحة ومكسورة: "سـ.. سامـ.. حينـ.. ي."
بصيت لها ببرود، وقمت وقفت عند الباب. "المسامحة دي لغة الضعفاء يا بهيرة، وأنا ممرضة طوارئ، اتعلمت إن الجرح لما بيتلوث لازم يتنضف بقسوة عشان يخف. أنا مش هسامحك، بس هسيبك عايشة.. عشان كل يوم تشوفي مايا وهي بتمشي قدامك، وتفتكري إنك بعتي رجليها بخمس تلاف دولار، وهي اشترت حريتها بـ 'عزيمتها' اللي كنتِ بتشككي فيها."
خرجت وقفلت الباب، وسبتها في ضلمة الأوضة مع ندمها.
بعدها بكام شهر، مايا دخلت البيت وهي ساندة على "مشاية" بسيطة، وخطت أول خطوة حقيقية جوه الصالة. بهيرة كانت قاعدة في ركنها، بتراقب المشهد بدموع حقيقية.
مايا راحت لحد عندها، وبكل براءة، مسكت إيد جدتها المرتعشة وحطت فيها "فرشة ألوان".
"مش لازم تقومي يا تيتة عشان تكوني قوية.. ممكن ترسمي وانتي قاعدة."
في اللحظة دي، انكسر آخر عمود في كبرياء بهيرة المنشاوي. انهارت في البكاء وهي بتبوس إيد الطفلة اللي حاولت تدمرها.
القصر مابقاش "صرخة معمارية" زي ما كان، بقى مجرد بيت.. فيه ست عجوزة بتتعلم معنى الإنسانية من أول وجديد على كرسي متحرك، وأم عرفت تاخد حق بنتها بمنتهى الذكاء، وطفلة أثبتت إن "العجز" مش في الرجلين.. العجز الحقيقي كان في قلب "بهيرة".
**تمت.**

​دموع

على بلاط المطبخ
شروق خالد

تم نسخ الرابط