دموع على بلاط المطبخ شروق خالد

لمحة نيوز

حماتي باعت كرسي بنتي المعاقة وأنا في الشغل، وقالت لي بمنتهى الجمود: "بلاش تمثيل إنها مشلولة عشان تصعب على الناس". لما رجعت البيت، لقيت بنتي بتزحف على أرضية المطبخ. عملت مكالمة واحدة بس، وبعد 72 ساعة، الست دي مش هتمشي على رجلها تاني أبدًا.
قصر عيلة "المنشاوي" كان عبارة عن كتلة من الحجر والزجاج، متصمم عشان يحسس أي حد يدخله إنه نملة في وسط عمالقة. بس من جوه، الهوا كان تقيل ويخنق بسبب وجود حماتي "بهيرة"؛ الست اللي كانت شايفة الضعف البشري عيب وراثي لازم يتقص من شجرة العيلة.
أنا اسمي إيلينا، ممرضة طوارئ في مستشفى حكومي كبير. عالمي كله عبارة عن أجهزة قياس نبض وريحة دم، واقع قاسي وصعب عكس الوهم اللي عايش فيه البيت ده اللي ريحته دايمًا منظفات غالية.
"هرجع لك على العشا يا حبيبتي"، قلتها وأنا ساندة على ركبي جنب بنتي "مايا" اللي عندها عشر سنين. مايا كانت قاعدة في كرسي متحرك متطور جداً، كان هو استقلالها ورجليها اللي بتمشي بيهم بعد الحادثة اللي حصلت من سنتين.
همست مايا وعينيها بتلمع رغم التعب: "ماتنسيش الألوان يا ماما".
بهيرة كانت واقفة فوق على السلم، وبتبص لمايا كأنها بتبص لتمثال مكسور. وقالت بصوت زي خروشة الشجر الناشف على البلاط: "بصراحة يا إيلينا، البنت بتقضي اليوم كله في الجهاز الغريب ده. في أيامنا كان عندنا عزيمة، هي بتدلع بـ 'عجزها' ده كأنه جزء من شخصيتها، حاجة تكسف بجد لتاريخ عيلة المنشاوي".
كتمت غضبي بالعافية، كان ورايا "شفت" طويل. "دي مش دلع يا بهيرة، دي رجليها. من فضلك، ولحد ما جوزي يرجع من السفر، اتأكدي إنها بتشرب

ميه كتير".
وأنا خارجة بالعربية، شفت بهيرة في المراية. مكنتش بتودعني، كانت بتصور الرقم التسلسلي بتاع الكرسي المتحرك، وعلى وشها ابتسامة غريبة خلت دمي يتجمد.
بعد 18 ساعة، رجعت نص الليل لبيت هادي زيادة عن اللزوم. مفيش ولا لمبة منورة. ريحة البيت كانت غريبة، خليط بين ريحة خمرة غالية وحاجة تانية معدنية، زي ريحة دم طازة على البلاط.
فتحت نور المطبخ وقلبي سقط في رجلي.
مايا كانت على الأرض.
كانت بتحاول تسند على إيديها الصغيرين وهي بتترعش عشان توصل للمخزن. قميص نومها كان متبهدل وعرق ودموع. ركبها، اللي مكنتش محمية، كانت متجرحة وبتنزف، وسايبة وراها خطوط دم على البلاط الأبيض.
"ماما..."، قالتها بصوت واطي ومكسور يقطع القلب.
"العجل كان مبهدل الدنيا، فحولته لفلوس"، صوت ضحكة طالع من الضلمة.
بهيرة كانت قاعدة بتشرب وهي رافعة راسها ببرود: "أخيرًا خلصت من الكرسي اللي كان مشوه المنظر ده، بعته بخمسة آلاف دولار كاش. لو البنت عايزة تتحرك، تتعلم تستخدم عضلاتها بدل التمثيل ده عشان تشد انتباهك. ده درس في القوة اللي بيفرضها اسم عيلتنا".
بصيت لركب بنتي اللي بتنزف، وبصيت للمكان الفاضي اللي الكرسي كان فيه بقاله سنتين.
بهيرة مكنتش تعرف إني بجانب شغلي في التمريض، اشتغلت خمس سنين استشارية جنائية مع النيابة، وتخصصي هو "كشف النوايا". بعرف أتعامل مع الوحوش اللي فاكرين إن فلوسهم وأساميهم هتحميهم.
ما صرختش. مديت إيدي في جيبي وطلبت رقم الطوارئ الخاص اللي معايا.
البقية كانت عبارة عن كابوس لبهيرة. بلغت عن سرقة معدات طبية حيوية وتعريض حياة طفلة للخطر. وبما إن
الكرسي كان مسجل باسمي ومن مالي الخاص، الموضوع مكنش مجرد خناقة عائلية، دي كانت جناية. بهيرة في خلال أيام لقت نفسها في مواجهة قضايا تزوير واستيلاء، والأهم من ده كله، الضغط العصبي اللي حصل لها خلى جلطة قديمة تتحرك.
بعد 72 ساعة بالظبط، بهيرة المنشاوي كانت نايمة في سرير المستشفى، مشلولة نصفيًا بسبب الجلطة. الدكاترة قالوا إنها محتاجة كرسي متحرك عشان تتحرك.
دخلت عليها الأوضة، مكنتش قادرة تنطق، بس عينيها كانت مليانة رعب.
ميلت عليها وهمست: "العجل مبيبهدلش الدنيا يا بهيرة، العجل هو اللي بيخلينا نتحرك.. بس انتِ، مفيش فلوس في الدنيا هترجعك تمشي تاني".
وقفت قدام سريرها في المستشفى، والجهزة حواليها بتصفر بانتظام بارد. ملامحها اللي كانت دايمًا مشدودة بكبرياء، دلوقتي كانت مرتخية ومهزوزة، وعينيها بتتحرك يمين وشمال برعب وهي مش قادرة تنطق كلمة واحدة.
"أهلاً بيكي في عالمنا يا بهيرة،" قلتها وأنا بصلح لها المحلول بمنتهى الهدوء. "الدكاترة بيقولوا إن الجلطة أثرت على مراكز الحركة. يعني من هنا ورايح، الأرض اللي كنتِ مستخسرة بنتي تمشي عليها، مش هتلمس رجلك تاني."
طلعت من شنطتي رزمة فلوس، الـ 5000 دولار اللي باعت بيهم كرسي مايا، ورميتهم على صدرها. "الفلوس أهي، زي ما قلتي 'نقداً'. بس للأسف، الفلوس دي مش هتشيلك توديكي الحمام، ولا هتديكي العزيمة اللي كنتِ بتطالبي بنتي بيها."
فتحت الموبايل وفرجتها على فيديو لمايا وهي قاعدة في كرسيها الجديد، الأحدث والأغلى، اللي اشتريته بتعويض قانوني سريع من حساب بهيرة الشخصي بعد ما المحامي بتاعي أثبت "إساءة معاملة
قاصر". مايا كانت بتضحك في الفيديو وهي بتتحرك في الجنينة.
"شوفتي يا حماتي؟ مايا رجعت تمشي تاني على عجلها.. أما أنتِ، فـ أنا اللي هختار لك الكرسي بتاعك. هجيب لك أرخص نوع، النوع اللي عيوبه كتير وعجله تقيل وبيزيق، عشان كل ما تتحركي تفتكري ركبتين بنتي وهما بينزفوا على بلاط مطبخك."
بهيرة حاولت تطلع صوت، بس مطلعش غير فحيح مكتوم ودمعة عجز نزلت من طرف عينها.
"ماتعيطيش،" قلتها وأنا ماشية ناحية الباب، "العياط ضعف، وأنتِ علمتينا إن عيلة المنشاوي مابتقبلش بالضعف. استمتعي بحياتك الجديدة.. من غير حركة، ومن غير شفقة."
خرجت وقفلت الباب ورايا، ومن يومها مفيش حد من العيلة تجرأ يرفع عينه في عيني، وكل ما بهيرة بتعوز تتحرك خطوة، لازم تستنى "العجل" اللي كانت بتكرهه يمنّ عليها بالحق في الحركة.

عدت للبيت، وكان "جوليان" جوزي رجع من السفر ولقيته قاعد في الصالون، وشه شاحب ومنهار بعد ما عرف اللي حصل لأمه. بص لي بعيون مليانة لوم وقال بصوت مرتعش: "إيلينا.. دي أمي، مهما كان اللي عملته، دي ست كبيرة.. ليه وصلتيها للحالة دي؟"
قعدت قدامه بمنتهى البرود، وحطيت الموبايل في وشه على فيديو الكاميرات اللي كانت متخبية في المطبخ، الفيديو اللي بيوثق لحظة ما كانت مايا بتزحف وبتبكي، وبهيرة واقفة فوق راسها وبتقول لها: "وريني هتقومي إزاي يا شحاتة الاهتمام".
جوليان سكت تماماً، الدموع اتجمدت في عينه وهو شايف بنته بتتهان في بيته.
قلت له: "اللي حصل لأمك مش انتقام مني، ده عدل ربنا. هي اللي اختارت تبيع 'رجلين' بنتك، وربنا اختار يسلبها رجليها. والآن، القرار ليك.. يا

تختار بنتك اللي دمها ساح على الأرض،

تم نسخ الرابط