عزة نفس في زمن الانكسار شروق خالد

لمحة نيوز

يا بطل.. من النهاردة مفيش شيل صواني تاني، وأمك علاجها واصل لحد البيت كل شهر، وأنت دراستك عليا لحد ما أشوفك أحسن مهندس في الدنيا.
يومها عرفت إن دعوة الأم مابترجعش، وإن اللي بيتقي الله في كرامته، ربنا بيسخر له اللي ينصره قدام الدنيا كلها.
بعد ما فريدة الهواري مشيت تجر أذيال الخيبة وسط نظرات الاحتقار من كل اللي واقفين، بشير بيه مسبش إيدي. بص للمدير بتاع الأمن اللي كان واقف زي الصنم وقال له بلهجة شديدة تجمعلي كل الأمن اللي وقفوا يتفرجوا وما دافعوش عن طفل بيتظلم، حسابهم معايا في المكتب بعد شوية.. المول ده أمان وكرامة قبل ما يكون محلات وبيع وشراء.
بشير بيه خدني وطلعنا على مكتبه الفخم، شربت مياه وهديت شوية، وبعدين طلع تليفونه وكلم السواق بتاعه وقال له اطلع فوراً على حارة الرضوان، هات الست زينب وجيبها هنا بالراحة، قولها ابنك مع بشير المنشاوي وهو بخير.
ساعة بالظبط ولقيت أمي داخلة المكتب، نهجانة وخايفة، أول ما شافتني خدتني في حضنها وهي بتعيط وبتقول جرى لك إيه يا سيف؟ حد عمل لك حاجة؟
بشير بيه وقف بكل احترام، وقرب من أمي وباس إيدها قدام كل الموظفين،
وقال لها يا ست زينب، أنا بشير اللي شيلتيه من الموت زمان. النهاردة ابنك رد لي الجميل وعلمني درس في عزة النفس. ابنك راجل، ووقف قدام الظلم وراسه مرفوعة.
أمي من كسوفها قالت له يا بشير بيه ده واجب، وإحنا ناس غلابة بنحب نعيش بستر الله.
بشير بيه ابتسم وقال والله ما حد غلبان غير اللي معندوش كرامة زي اللي كانت واقفة تحت دي. اسمعي يا ست الكل، من النهاردة مفيش شغل تعب تاني، المعرض اللي في وش المول ده بقى ملك لسيف لما يكبر، وإيجاره هينزل لك كل شهر تعيشي منه ملكة، وده مش رد جميل.. ده حق سيف عندي لأنه طلع راجل في زمن قل فيه الرجالة.
خرجت من المول وأنا ماسك إيد أمي، المرة دي مكنتش خايف ولا بحاول أصغر نفسي عشان محدش يلاحظني. بصيت للسماء وقلت الحمد لله لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولأن دعوات أمي كانت هي الحصن اللي حماني في اللحظة اللي الدنيا كلها كانت ضدي فيها.
ومن يومها، بقيت كل ما أمشي في المول، الناس تبتسم لي باحترام، مش عشان بشير بيه، لكن عشان عرفوا إن القيمة مش في البدلة ولا في الفلوس، القيمة في القلب اللي مابيركعش إلا لخالقه.
مرت السنين، والموقف
ده محفور في قلبي مش وجع، لكنه فخر.
بشير بيه مكنش بيوعد ويخلف، فعلاً اتكفل بكل حاجة. أمي ارتاحت من شقى السنين، وبخاخة الصدر بقت موجودة منها بالزيادة، وصحتها ردت فيها الروح لما شافتني بكبر قدام عينيها وبحقق حلمها. دخلت كلية الهندسة، وكنت بذاكر ليل نهار عشان أثبت لنفسي وللدنيا إن ابن بياع المشاريب اللي كان هيركع من الذل، يقدر يقف على رجله ويبني مستقبل.
وفي يوم تخرجي، كنت واقف في نفس المكان في المول، بس المرة دي وأنا لابس بدلة التخرج. المول كله كان متزين، وبشير بيه كان واقف جنبي كأنه أبويا بالظبط.
فجأة، شوفت ست ماشية بعيد، شكلها باهت، هدومها عادية جداً، وباين على وشها الهم والتعب. كانت بتحاول تدخل محل من المحلات تطلب وظيفة عاملة نظافة. ركزت في ملامحها.. كانت هي! فريدة الهواري.
الدنيا دارت بيها، وشركاتها أفلست بعد الفضيحة اللي انتشرت لها فيديو وهي بتمد إيدها على طفل، والناس قاطعت منتجاتها لحد ما خسرت كل حاجة.
بصيت لها للحظة، افتكرت القلم، وافتكرت الكسرة اللي كنت فيها. كان ممكن أروح أشمت فيها، أو أطلع الأمن يطردها زي ما عملت معايا. بس افتكرت كلام
أمي تاني يا سيف، القوي هو اللي بيعفو وهو قادر.
طلبت من السكرتير بتاعي يروح لها ويدلها كارت مكتبي، ويقول لها إن فيه وظيفة شاغرة في الشركة الهندسية بتاعتي، بس بشرط واحد إنها تتعلم إن الكرامة حق لكل إنسان، مهما كان لبسه أو جيبه.
بصيت لأمي اللي كانت واقفة بتدعيلي، وبصيت للسما وقلت يا رب، لك الحمد إنك نصرتني، ونصرت حق الغلابة.
دي كانت حكايتي.. حكاية سيف اللي القلم اللي خده وهو عيل، كان هو السبب إنه يصحى ويبقى راجل يهز الأرض بكرامته، مش بفلوسه. الحكاية خلصت هنا، بس أثرها هيفضل في كل ركن في المول، بيفكر أي حد مفترى إن فيه رب أكبر من الكل.
ودي كانت نهاية الحكاية.. إن اللي بيبدأ بالظلم لازم ينتهي بالكسرة، واللي بيعتصم بالله وبكرامته، ربنا بيسخر له الدنيا كلها عشان تنصفه.
سيف مابقاش مجرد مهندس ناجح، بقى رمز في المول وفي المنطقة كلها، وأمه الست زينب فضلت بركتها هي اللي فاتحة له الأبواب. أما فريدة، فتعلمت الدرس الأقسى في حياتها إن الكرسي والمنصب والفلوس كلهم عاريّة وممكن يروحوا في غمضة عين، لكن السيرة الطيبة والعدل هما اللي بيفضلوا.
تمت.
عزة نفس في زمن
الانكسار
شروق خالد

تم نسخ الرابط