حمامة في جحيم الهوارية شروق خالد
من جنبه، كعب جزمتها المبري شبك في السجادة. اتكعبلت وخبطت في دراعه.
كانت كأنها خبطت في حيطة صخر.
رجعت لورا وهي مكسوفة ومرعوبة أنا أسفة يا فندم.. مكنتش أقصد..
كانت مستنية شتيمة، أو إهانة، أو حتى يزقها بعيد.
بس بشير منطقش. فضل باصص لها.
بص لها بتركيز غريب.. شاف كل حاجة الخبطة اللي في خدها، الجروح اللي في إيدها، ضهرها المحني، والرعشة اللي مبتروحش من جسم الناس اللي عاشت عمرها كله في خوف.
اسمك إيه؟ سألها.
ص.. صابرين الهواري.
فيه حاجة اتغيرت في ملامحه، حاجة بسيطة قوي.
مد إيده اللي لابس فيها جوانتي، وكف إيده لفوق.
هي اتجمدت مكانه.
دي مكنتش حركة أمر، ولا حنية زايدة.. دي كانت دعوة.
بتردد، حطت إيدها في إيده. مسكها بقوة وحنية في نفس الوقت، وساعدها تقف وتتوازن، كأنه عارف بالظبط هي مكسورة قد إيه من جوه.
تقدري تمشي يا آنسة، مرسي قالها وهو مرتبك.
صابرين خدت الورقة وطلعت تجري.
رجعت القصر قبل الليل ما ليل. لقيت أمها مستنياها في الصالة ومعاها كاس نبيذ.
عملتي إيه؟
صابرين ادتها الورقة. عصمت قريتها وضحكت ضحكة صفراء مهلة تانية! عارفة ده معناه إيه؟ إننا بقينا شحاتين.
أنا عملت اللي قلتي عليه.
القلم نزل على وشها خلاها تترنح متفتحيش بقك غير لما أقولك!
صابرين جزت على أسنانها ورجعت لورا. لما دخلت أوضتها وقفلت على نفسهاأوضة صغيرة فيها سرير ضيق ومراية مشروخةسندت راسها على الباب وفضلت تنهج كأنها بتغرق.
مسمعتش صوت العربية اللي وقفت برا.
مسمعتش البوابة وهي بتتفتح.
أول حاجة سمعتها كان صراخ أمها.
صابرين جريت ورا الباب وحطت ودنها عليه.
أنت ملكش حق! عصمت كانت بتصرخ بذكاء. متقدرش تدخل بيتي وتؤمرني بحاجة!
رد عليها صوت بشير الباشا، هادي بس زي السكينة
أنا مش جاي أؤمر.. أنا جاي أبلغ. بنتك هتخرج من البيت ده الليلة. أنا معايا أمر من المأمور ومعايا دفاتر ديونك، وسجل قسوتك عليها، وشهادة إنك غير صالحة تكوني أم أو وصية عليها.
فتحت صابرين باب أوضتها وهي مش مصدقة اللي بتسمعه. وقفت في طرف الصالة وهي شايفة بشير الباشا واقف بكل هيبته قدام أمها اللي كانت شايطة من الغضب ووشها بقى لونه أحمر زي الدم.
أنت اتجننت يا بشير؟ عصمت صرخت وهي بترتعش. دي بنتي.. لحمي ودمي! تخرج معاك بصفتك إيه؟ وبأمارة إيه تاخدها لعزبتك؟
بشير قرب خطوة واحدة،
لف وشه ناحية صابرين اللي كانت واقفة بعيد، ونبرها بصوت هادي خلى قلبها يدق جهزي حاجتك يا صابرين.. مفيش حد هيلمس شعرة منك تاني طول ما أنا عايش.
عصمت حاولت تمسك دراع صابرين وهي بتصوت مش هتمشي! أنتي ملكي أنا!
بشير مسك إيد عصمت وبص لها نظرة خلتها تتجمد مكانها لو لمستيها تاني، هرميكي في السجن بتهمة التبديد والنصب في الديون.. اختاري يا هانم، تعيشي في ملحق القصر من غير سلطة، ولا تقضي بقية عمرك ورا القضبان؟
صابرين سابتهم ودخلت أوضتها، لمت شوية الهدوم البسيطة اللي عندها في صرة صغيرة. كانت حاسة إنها في حلم.. هل فعلاً القبر اللي كانت عايشة فيه ده هيتفتح بابه؟
لما خرجت، بشير كان مستنيها عند البوابة. مد إيده لها عشان يسندها تركب العربية الفخمة بتاعته. عصمت كانت واقفة وراهم بتعيط من القهر والغل، بتبص لبنتها اللي كانت بتعاملها كأنها
طول الطريق لعزبة الجبل الأسود، صابرين كانت ساكتة، بتبص للشوارع والبيوت كأنها أول مرة تشوفها. بشير مكلمهاش، سابها تستوعب اللي حصل، بس كان كل شوية يبص لها في المراية عشان يتأكد إنها لسه بتتنفس.
أول ما وصلوا العزبة، الخدم كلهم طلعوا يستقبلوهم. بشير نزل وفتح لها الباب وقال للخدم بصوت مسموع الآنسة صابرين هي صاحبة البيت من النهاردة.. أي حد يزعلها بكلمة، كأنه زعلني أنا شخصياً.
صابرين بصت له وعينيها مليانة دموع أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. أنت ليه عملت كل ده وأنت متعرفنيش؟
بشير ابتسم ابتسامة حزينة، وطلع من جيبه منديل قديم مطرز عليه نفس الحروف اللي كانت على منديل صابرين، وقال لها أبوكي، الله يرحمه، كان صاحبي الوحيد.. وقبل ما يموت، وصاني إن لو الدنيا ضاقت بيكي، لازم أكون أنا السند. أنا بس اتأخرت شوية يا صابرين.. بس أوعدك، من النهاردة، مفيش دموع تاني.
ودخلت صابرين العزبة، مش كخادمة ولا كبنت مكسورة، لكن ك حمامة لقت أخيراً السما اللي تطير فيها، وسابت وراها عصمت وقصرها اللي مبقاش فيه غير صدى صراخ الظلم والوحدة.
النهاية
حمامة في جحيم الهوارية
شروق خالد