حمامة في جحيم الهوارية شروق خالد
حمامة في قصر الغول لما يكون السند هو الجلاد
بيقولوا إن حب الأم ملوش شروط، إنه فطرة صافية وجاهزة تحمي من الدنيا كلها. بس صابرين عرفت من وهي لسه لحمة حمرا إن مش كل الأمهات كدة. فيه أمهات وشوشهم بتضحك قدام الناس، وفي البيت بيسقوا ولادهم السم نقطة نقطة، لحد ما البنت تحس إنها مش بني آدمة، تحس إنها عقاب أو لعنة.
في صيف سنة 1843، كان قصر آل الهواري على أطراف البلد زي الجثة المتزوقة لفرح. من بعيد يبان فخم وعمدانه بيضاء وشجر الياسمين مغطيه، بس من جوه ريحة الرطوبة والديون والندم مالية المكان. الجنينة ناشفة، والنافورات فاضية، والرخام اللي كان بيلمع بقى مطفي ومكسر زي قلوب اللي فيه.
صابرين، بنت عندها 19 سنة، كانت حافظة كل شرخ في أرضية القصر لأنها كانت بتقضي يومها محنية عليهم. في الصباحية دي، كانت راكعة على ركبها بتمسح الصالة الكبيرة بمية ساقعة بتلج وصابون بيحرق الإيد. عقل صوابعها كان وارم وجلد إيديها مشقق، وجسمها كله مكسر من العلقة اللي خدتها ليلة امبارح عشان كوباية شاي اتزحلقت من إيدها واتكسرت ميت حتة.
مرفعتش عينها لما سمعت الصوت اللي بيخلي قلبها يقع في رجليها..
تك.. تك.. تك..
صوت جزمة أمها.
فيه
صابرين بلعت ريقها بصعوبة حاضر يا ست هانم.. همسحه حالاً.
الست عصمت كانت جميلة جمال يخوف. دايماً لابس حرير غامق، وشعرها متسرح بزيادة، وضهرها مفرود بغرور يكسر أي حد. اللي يشوفها من بره يقول دي هانم بنت بنوت، لكن اللي عاش تحت سقفها يعرف إن الهدوم الغالية دي مدارية قلب حجر، ملهوش غرض غير المظاهر والفلوس.
وفجأة، وبدون مقدمات، عصمت ضربت جردل المية برجلها. المية الوسخة غرقت الرخام اللي لسه متمسح، وغرقت هدوم صابرين البسيطة.
شوفي عملتي إيه يا غبية، عصمت قالتها بقرف. طول عمرك فاشلة ومنحوسة، زي أبوكي اللي مات وساب لي ديون تكسر الضهر.
صابرين وطت راسها أكتر أنا أسفة.
أسفك ملوش تمن.. قومي افزعي!
مسكتها من شعرها ووقفتها بالعافية. صابرين غمضت عينيها.. كانت عارفة إن الصراخ بيخلي العقاب يطول.
هتروحي ل المعلم مرسي بتاع الرهونات. هتقولي له إن أمي محتاجة مهلة شهر كمان.. ومترجعيش غير وإمضاؤه على الورقة دي. لو رجعتي وإيدك فاضية، ورحمة أبوكي لأعلمك الأدب اللي بجد.
بعد دقايق، صابرين خرجت من القصر وهدومها لسه مبلولة وماسكة في جسمها. شمس العصر
في البلد، الحياة كانت ماشية عادي. البياعين بينادوا، والعربيات الكاروت بتجري، والستات ببراقعهم بيتمشوا. محدش اهتم ببنت وشها شاحب وعندها خبطة زرقا في خدها وإيدين مجرحة. ولو حد شافها، بيعمل نفسه مش شايف. في البلاد الصغيرة، الخوف من العائلات الكبيرة بيبان دايماً في صورة تطنيش.
مكتب الرهونات كان بين الصيدلية ودكان قماش. صابرين خدت نفس عميق ودخلت.
المعلم مرسي رفع عينه من الدفاتر. راجل تخين شوية، بشنب شايب ونظارة مدورة. أول ما شافها، كشر بوجع وشفقة
يا آنسة صابرين.. كنت عارف إنك جاية.
أمي محتاجة مهلة يا معلم.. شهر واحد بس.
الراجل قلع النظارة ومسح مناخيره يا بنتي ده رابع شهر يتأخروا فيه. البنك بدأ يسأل وأنا مش ملاحق.
صابرين ضغطت على فستانها بإيدها المرتعشة أبوس إيدك.. مرة واحدة بس. أنا هدور على شغل.. هعمل أي حاجة وهدفع.
مرسي بص للخبطة اللي في وشها، بقه اتشد بضيق، بس في الآخر بص الناحية التانية. حنية الرجالة اللي زي مرسي
هوقع لك، قالها بقلة حيلة. بس دي آخر مرة.. قولي لأمك مرسي مابقاش عنده مهل تانية.
صابرين مالحقتش تفرح، لأنها عارفة إن ده مش هيكفي.. عمره ما كان بيكفي.
وهو بيمضي الورقة، باب المكتب اتفتح.
الهواء في المكان اتغير فجأة. صابرين حست بقشعريرة في جسمها، كأن سحابة غطت الشمس. لفت ببطء.
كان واقف راجل طويل، لابس أسود في أسود، هيبته تملى المكان من غير ولا كلمة. لابس جزمة ركوب خيل عليها تراب الطريق، وجاكيت متفصل بالمللي، وشعره أسود ودقنه تقيلة. عينيه كانت رمادي وغويطة زي العاصفة.
ده كان الباشا بنيدكتو أو بشير المنشاوي بالروح المصرية، صاحب عزبة الجبل الأسود اللي في شمال البلد.
كانت فيه إشاعات كتير عنه. إنه قتل راجل في مبارزة، وإنه مبيسامحش في خيانة أبداً. وإن مراته وبنته ماتوا في ظروف غامضة ومن ساعتها بقى ساكت زي القبر. فيه اللي بيقولوا عليه مجرم، وفيه اللي بيقولوا ده راجل سلطته مخلية الناس تخاف منه.
المعلم مرسي قام وقف فجأة يا سعادة الباشا.. مكنتش مستنيك غير الأسبوع الجاي.
خططي اتغيرت، رد بصوت واطي بس قوي، مستحيل حد يتجاهله.
صابرين