الكنز المستخبّي حكايات شروق خالد
مرت الأيام، وزينب حياتها اتقلبت 180 درجة، بس قلبها فضل زي ما هو، أبيض وبكر. اشترت بيت صغير وجميل، وطلعت عمرة كانت بتحلم بيها طول عمرها، ووقفت قدام الكعبة تدعي لكل واحد جبر بخاطرها ولو بكلمة.
لكن الغريب إن زينب مكنتش بتقدر تنام للظهر زي باقي الناس اللي "ارتاحت"، كانت لسه بتصحى مع صوت الفجر، تحضر شاي بلبن وتقعد في البلكونة تبص على الشارع. وفي يوم، شافت شاب جديد شغال مكانها، لابس لبس الشغل وماسك المكنسة، وضهره محني بجد من التعب والبرد.
نزلت له زينب وهي شايلة صينية فيها فطار سخن وشنطة تقيلة شوية. الشاب استغرب لما شاف الست الوقورة دي بتقدم له الأكل بابتسامة، قالت له: "كل يا ابني وقوي قلبك، الرصيف ده أنا عارفة أسراره، وعارفة إن ربنا مبيسيبش حد شقيان من غير جبر". ولما مشيت،
زينب عرفت إن "الفلوس" مكنتش هي الجائزة الحقيقية، الجائزة كانت إن ربنا استعملها عشان تكون هي "الرسالة" لغيرها. وبقت قصتها تتحكي في كل حتة، مش عن الذهب اللي لقت في الكيس، لكن عن الذهب اللي كان مستخبي جوه قلبها وطلع للنور ودفى كل اللي حواليها.
وعاشت زينب بقية عمرها مستورة، وكل ما حد يسألها عن سر سعادتها، تشاور على السماء وتقول بضحكة صافية: "ربنا كريم.. بيبتلي عشان يعطي، وبيضيقها عشان يفرجها فرجة تمحي كل الوجع".
وفاتت السنين، وبقى بيت "الحاجة زينب" معروف في الحي كله بـ "بيت الجبر". مكنش مجرد بيت لست غنية، لا، ده كان ملجأ
في ليلة من ليالي الشتا الباردة، خبط على بابها شاب وشكله باين عليه التعب والكسرة. لما فتحت له، عرفته فوراً.. كان واحد من الشباب اللي كانوا في العربيات زمان، بس المرة دي مكنش بيضحك، مكنش راكب عربية فارهة، كان باين عليه إن الدنيا لفت بيه ودارت.
بص في الأرض وقال بصوت مكسور: "يا حاجة زينب، أنا كنت واحد من اللي رموا الأكياس زمان.. الدنيا دارت بيا، وخسرت كل مالي، وجيت أطلب منك تدعي لي، أنا مش عايز فلوس، أنا بس عايز البركة اللي كانت في ضحكتك ترجع لي تاني".
زينب ابتسمت بوقار، ودخلته البيت، وقدمت له لقمة دافية
قصة زينب خلصت في الشوارع كعاملة نظافة، بس بدأت كـ "حكاية" بتتحكي للأجيال.. عن الست اللي نضفت الشوارع بمكنستها، ونضفت قلوب الناس بطيبتها. وبقت كل ما تمشي في الشارع، الناس توقفها مش عشان يتصوروا معاها، لكن عشان يلمسوا إيدها اللي "شقت" و"صبرت" و"نورت".
وعرفت الدنيا كلها إن "الكنز" الحقيقي مش في اللي كان جوه الكيس الأسود، الكنز كان في "الرضا" اللي كان جوه قلب زينب وهي لسه بتمسح الرصيف في عز البرد.
الكنز المستخبّي