الكنز المستخبّي حكايات شروق خالد
كانت الست زينب ماشية بمكنستها وصوت خبطها على الرصيف هو الونس الوحيد ليها مع خيوط الفجر الأولى. الست دي وشها محفور عليه شقى السنين، وإيديها خشنة من كتر ما شالت "هموم" الناس اللي بيرموها في الشارع على شكل زبالة. كانت دايمًا ماشية حانية ضهرها وباصة للأرض، مش ضعف منها، بس عشان هي دي "لقمتها" اللي بتدور عليها وسط التراب.
وفجأة، هدوء الصبح ده قطعه صوت فرامل عربيات غالية. زينب وقفت مكانها بخوف، لقت مجموعة شباب في عربيات فارهة بيضحكوا بصوت عالي ومستفز. واحد منهم بصلها باستهزاء وراح رامي كيس أسود تقيل عند رجليها، والتاني رمى كيس كمان وهو بيقول لها: "خدي يا خالة.. شيلي الزبالة دي، مش هو ده شغلك؟".
الضحك زاد، والعربيات طارت وسابت وراها غبار كتم نفسها. زينب دمعت ومسحت وشها بطرف طرحتها وهي بتقول بصوت واطي:
قربت من الأكياس وهي ناوية تحطها في العربية الكبيرة عشان تخلص شغلها، بس حست إن "تقل" الأكياس غريب.. مفيش أزايز بتخبط ولا ورق بيخروش. فضولها غلبها، وفتحت أول كيس بإيد بترعش، وفي اللحظة دي النور طلع من قلب السواد.
زينب برقت عينيها وهي مش مصدقة اللي شايفاه.. الكيس مكنش فيه زبالة، الكيس كان مليان رزم فلوس متربطة وجنبها سبائك دهب بتلمع تحت ضوء الشمس. فتحت الكيس التاني لقت فيه ورقة مكتوب عليها بخط جميل: "لأيديكي الطاهرة اللي بتنضف ورانا.. ده مش إحسان، ده حقك وتمن صبرك. إحنا كنا بنراقب تعبك ولقينا إنك تستاهلي الفرحة دي".
زينب قعدت على الرصيف، بس المرة دي مش من التعب، المرة دي سجدت في نص الشارع وهي بتعيط من الفرحة. عرفت إن ربنا جبر خاطرها في اللحظة
تفتكر لو كنت مكان زينب، إيه أول حلم هتحققه بالفلوس دي؟
قامت زينب من سجدتها وهي بتمسح دموعها، مش عارفة تضحك ولا تعيط، وبدأت تلم الأكياس في حضنها كأنها بتضم حتة من قلبها. في اللحظة دي، العربيات اللي مشيت رجعت تاني، بس المرة دي هديت ووقفت قدامها بالراحة. نزل منها الشاب اللي رمى أول كيس، ووشه كان مليان خجل واحترام، وقرب منها وطبس على إيدها باسها.
قال لها وهو صوته واطي: "سامحينا يا أمي لو كنا قسينا عليكي في الكلام، بس كنا عايزين الفرحة تكون صدمة تليق بصبرك". زينب بصت له وهي لسه مش مستوعبة، وقالت له بصوت مرعوش: "يا ابني أنا كنت فاكرة الدنيا ضاقت في وشي، مكنتش أعرف إن ربنا شايل لي كل ده". الشاب ابتسم وقال
زينب مروحتش بيتها يومها وهي بتجر العربية، روحت وهي راكبة واحدة من العربيات دي، والناس في منطقتها البسيطة واقفين مذهولين وهما شايفين "ست المساكين" راجعة كأنها ملكة. أول حاجة عملتها لما دخلت بيتها، وزعت جزء من الفلوس على جيرانها اللي عارفين طعم الجوع زيها، وقالت لهم: "الرزق ده مش ليا لوحدي، ده رزق ربنا بعتهولنا كلنا عشان يطبطب على قلوبنا".
ومن اليوم ده، مابقتش زينب تكنس الشوارع، بس فضلت تنزل كل يوم الصبح، توزع وجبات وتساعد المحتاجين، وبقت هي "السر" اللي بيفرح الناس الغلابة، زي ما كان الدهب هو السر اللي غير حياتها في لحظة يأس.
تفتكر بعد ما حياتها اتغيرت، إيه أكتر حاجة ممكن توحش زينب في أيام