مفتاح البيت… حكايات شروق خالد
بس وزنها تقيل أوي.
قالت وهي بتقرب مني
البنت دي حبتك بجد وإنت رديت عليها بإيه؟ بخطة؟ باختبار؟
قعدت على الكرسي كأني اتكسرت.
كنت خايف
الخوف مش مبرر إنك تجرح حد يا ابني.
سكتت وبعدين كملت بصوت أهدى
في ناس لما تخاف، بتمسك في اللي بتحبه وإنت لما خفت، حاولت تبعده.
الكلام دخل جوايا زي السكينة.
بصّيت على الباب وفجأة حسيت إني مش قادر أستحمل فكرة إنها تمشي كده.
قمت مرة واحدة.
أنا لازم ألحقها.
جريت برا البيت الشمس كانت نازلة، والهواء بقى أتقل. بصّيت حواليّا، لقيتها ماشية على الطريق الترابي، شنطتها على كتفها، وخطوتها سريعة بس مش بتجري.
نورا! ناديت بأعلى صوتي.
وقفت بس ما لفتتش.
قربت منها وأنا بنهج.
استني لو سمحتي.
لفّت ببطء. عينيها كانت حمرا بس ثابتة.
في حاجة تانية؟
وقفت قدامها، ومش لاقي الكلام اللي ينفع. كل الجمل اللي كانت بتيجي في دماغي باينة ضعيفة.
حكايات شروق خالد
أنا غلطت قلتها أخيرًا.
وغلط كبير كمان. مش هبرره ومش هقولك سامحيني وخلاص. بس أنا محتاج أقولك الحقيقة.
سكتت مستنية.
خدت نفس عميق
أنا طول عمري حاسس إني أقل أقل من الناس اللي إنتي عايشة وسطهم. وكل ما تقربي مني أكتر، كنت بخاف أكتر إنك تكتشفي ده وتسيبيني. فبدل ما أواجه خوفي قررت أختبرك.
ضحكت بسخرية خفيفة
واختبارك كان إنك تحطني في أسوأ صورة ممكنة؟
هزّيت راسي
آه وده كان غباء. أنا
نظرتلي شوية كأنها بتقيس صدقي.
كملت
إنتي عملتي حاجة أنا عمري ما كنت هقدر أعملها شيلتي عني حمل كنت هافضل شايله طول عمري. وإيه المقابل؟ إني شكّيت فيك.
مدّيت إيدي بالمفتاح
ده مش بس مفتاح البيت ده كان المفروض يبقى بداية جديدة. بس أنا بوّظتها.
نورا بصّت للمفتاح وما مدتش إيدها تاخده.
إنت فاهم إن الموضوع مش الفلوس ولا البيت، صح؟
فاهم قلتها بسرعة.
الموضوع إني جرحتك وكسرت ثقتك.
هزّت راسها.
حكايات شروق خالد
سكتنا لحظة صوت الهوى بس اللي بينا.
بعدين قالت بهدوء
أنا كنت مستعدة أعيش معاك في المكان ده بالحالة دي من غير ما يتغير فيه حاجة. مش عشان أنا ملاك بس عشان أنا اخترتك. بس إنت ما اخترتنيش. إنت اخترت خوفك.
الكلام وجع بس كان حقيقي.
قربت خطوة، بس هي ما اتحركتش.
أنا عايز أصلّح ده حتى لو هياخد وقت.
بصّتلي بتركيز
والمرادي هتعمل إيه غير إنك تقول كلام؟
السؤال كان صعب بس واضح.
قلت بعد لحظة تفكير
مش هطلب منك ترجعي دلوقتي ومش هضغط عليك. بس أنا هبدأ أصلّح نفسي الأول. مش عشانك ترضي عشان أبقى إنسان يستاهل حد زيك. ولو في يوم حسّيتي إنك ممكن تديني فرصة تانية هكون موجود.
نورا سكتت وعينيها لانت شوية.
أنا محتاجة وقت يا كريم.
هزّيت راسي
خدي كل الوقت اللي تحتاجيه.
بصّتلي آخر نظرة فيها تعب، بس
خلي المفتاح معاك يمكن المرّة دي تتعلم تفتح بيه حاجة صح.
لفّت ومشيت.
المرة دي ما ناديتش عليها.
فضلت واقف أتابعها لحد ما اختفت من آخر الطريق.
رجعت البيت ببطء كل خطوة تقيلة، بس أوضح من قبل كده.
بصّيت للمكان حواليّا لأول مرة ما شفتوش عيب.
شفت بداية.
ومع المفتاح في إيدي عرفت إن الاختبار الحقيقي ما كانش ليها.
كان ليا أنا.
عدّت أيام وبعدين أسابيع.
البيت اتغيّر.
مش بالشكل اللي كنت فاكره زماندهان جديد وخلاصلكن في إحساسه. فتحت الشبابيك لأول مرة من سنين، دخل الهوا، الشمس لعبت على التراب القديم، وكأن المكان بيصحى معايا.
كنت بصحى بدري، أنضف، أصلّح، وأتعلم أعمل حاجات عمري ما عملتها بإيدي. رجّعت البنچ الحديد لمكانه، صلّحت رجله، ودهنته من جديد. زرعت جنبُه ورد بسيط نفس النوع اللي كانت أمي بتحبه.
وأمي بقت تراقبني من بعيد.
في يوم قالتلي
إنت اتغيرت.
ابتسمت ابتسامة خفيفة
لسه بتعلم.
حكايات شروق خالد
لكن الحقيقة كنت مستني حاجة واحدة.
نورا.
ما كلمتهاش. ما ضغطتش عليها. زي ما وعدت.
بس في كل يوم كنت بفكر هل ممكن ترجع؟ ولا خلّصت خلاص؟
لحد ما في يوم
كنت واقف في الجنينة، بإيدي خرطوم المية، بسقي الزرع. الشمس كانت نازلة، نفس الوقت اللي سيبتها فيه تمشي.
سمعت صوت عربية بتقف برا.
قلبي دق بسرعة بس ما تحركتش فورًا.
خطوات خفيفة على الأرض الترابية قريبة
لفّيت ببطء.
نورا.
واقفة عند البوابة.
نفس الهدوء بس في عينيها حاجة اتغيرت. مش زعل زي قبل كده حاجة أهدى، أعمق.
سيبت الخرطوم من إيدي، والمية فضلت تنزل على الأرض.
أهلاً قلتها بصوت واطي.
هزّت راسها تحية بسيطة.
أهلاً يا كريم.
في لحظة صمت طويلة.
بعدين بصّت حوالين البيت.
اتغير.
حكايات شروق خالد
ابتسمت
بحاول.
مشت شوية جوا قربت من البنچ، لمسته بإيدها.
ده نفس البنچ؟
آه بس المرة دي اتصلّح صح.
بصّتلي وفهمت المعنى اللي ورا الجملة.
قعدت على البنچ، وأنا وقفت قدامها، متوتر بس ساكت.
قالت بعد لحظة
أنا جيت مش عشان أرجع زي الأول
القلب وقع شوية.
جيت أشوف إذا كان في فرصة نبدأ من جديد.
رفعت عيني بسرعة
من غير اختبارات؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة
من غير خوف.
قربت خطوة وبعدين وقفت، كأنها لسه بتحدد المسافة.
بس في حاجة لازم تفهمها يا كريم الثقة دي مش بتتصلّح بكلمة. دي بتتبني حتة حتة.
هزّيت راسي
وأنا مستعد أبنيها حتى لو هتاخد وقت.
بصّتلي شوية وبعدين قامت من على البنچ.
مدّت إيدها.
مش حضن.
مش رجوع كامل.
بس خطوة.
مسكت إيدها بإحساس مختلف المرة دي. مش امتلاك ولا خوف من فقدان.
إحساس اختيار.
في اللحظة دي، أمي خرجت من الباب، وبمجرد ما شافت نورا ابتسمت ابتسامة كبيرة.
رجعتي يا بنتي؟
نورا بصّت لها، وابتسمت
لسه راجعة في السكة.
أمي ضحكت
المهم إنك على السكة.
وقفت أنا
الماضي ما اتمسحش.
الغلط ما اختفاش.
بس في حاجة بدأت
صح.
مفتاح البيت حكايات شروق خالد