مفتاح البيت… حكايات شروق خالد
لا، اللي عملته ده ماكانش اختبار ده كان فخ. واللي حصل بعدها كشف مين فيكم كان محتاج يتختبر فعلاً.
حكايات شروق خالد
عشان أختبر وفاء صاحبتي، أخدتها على بيت أمي القديم في حتة منسية في ريف تكساس. عمري ما توقعت إن أول ما ندخل من الباب، هتديني حاجة تخليني أحس بعار عمري ما حسيت بيه قبل كده.
نورا بصّتلي وهي مش فاهمة أوي. كانت لابسة بلوزة بيضا بسيطة، شعرها مربوط، والهدوء اللي فيها دايمًا كان بيستفزني لما بحاول أتحكم في كل حاجة.
قالت بهدوء
هو ده فعلاً اللي إنت شايفني بيه؟
ما رديتش فورًا. نزلت من العربية وخبطت الباب بعنف، وبصّيت على البيت اللي اتربيت فيه. السقف الصاج كان مصدي، الحيطان مشققة ومليانة رطوبة، وفي الجنينة قصاري مكسورة، وصبّارة ناشفة، وبنچ حديد قديم الدهان بتاعه واقع نفس البنچ اللي كانت أمي الحاجة أمينة بتقعد عليه كل يوم بالليل.
سنين وأنا مخبي المكان ده عن نورا.
مش عشان مش بحبها.
بس عشان كنت خايف لو شافت الحقيقة، تبصلي بنظرة تانية.
هي من القاهرة. متعودة على مولات، مطاعم حلوة، صحاب بيتكلموا عن سفر واستثمار وشقق في أماكن راقية. وأنا؟ أنا جاي من أرض وزرع وديون وصمت. سبت البلد أول ما قدرت، بنيت نفسي، اشتريت عربية حلوة، واتعلمت ألبس النجاح كأنه يمسح ماضيّ.
بس ما مسحوش.
وفي اليوم ده قررت أختبرها.
كنت قايل لأمي تمثل إنها أضعف شوية من الحقيقة، وخليتها تلبس فستان قديم باهت عشان الصورة تبان أقسى. كنت عايز أشوف رد فعل نورا عايز أعرف هل تقدر تحب الجزء اللي أنا مخبيه.
ما كنتش أعرف إن الفكرة دي هتخليني أبقى أسوأ نوع من الرجالة.
قلت لها ببرود
هتنزلي ولا لأ؟
نورا تنهدت، ونزلت من
بس هي غمضت عينيها لحظة وابتسمت.
وقالت بهدوء
ريحة طفولة بقالي سنين ما شميتش هوا نضيف كده.
اتلخبطت.
حكايات شروق خالد
مشينا لحد الباب. أمي كانت قاعدة على البنچ، شال على كتفها، وإيديها على رجليها. أول ما شافتنا، قامت بالراحة زي ما متفقين.
بس نورا جريت عليها.
يا حاجة أمينة! قالتها بحماس صادق. لو سمحتي ما تقومي لوحدك.
مسكت إيدها وساعدتها، ظبطت لها الشال، وسألتها أكلتي؟ رجلك بتوجعك؟ شربتي مية؟ أمي بصّتلي باستغراب كأن في حاجة خرجت عن الخطة.
دخلنا البيت.
كل حاجة كانت قديمة الترابيزة الخشب برجِل متصلحة، الستارة الصفرا الباهتة، البوتاجاز بالعافية شغال، صور قديمة على الحيطة. كنت مركز مع نورا مستني لحظة ضيق أو إحراج.
ولا حاجة حصلت.
كانت ماشية في الصالة كأنها في مكان له قيمة كبيرة. مسكت صورة ليا وأنا صغير، وضحكت على وداني الكبيرة، وبصّت لأمي وقالت
أعملكوا قهوة؟
أمي اترددت قبل ما ترد
طبعًا يا حبيبتي.
يا حبيبتي.
حكايات شروق خالد
الكلمة دي وقعت عليّا تقيلة.
وإنا لسه بحاول أفهم اللي بيحصل، نورا مدّت إيدها في شنطتها، وطلعت ظرف مقفول، وجت ناحيتي وادتهولي.
ده ليك.
قلت إيه ده؟
قالت افتحه.
صوتها اتغير ما بقاش هادي.
بقى حازم.
حسيت بمعدة متقبضة. فتحت الظرف، وإيدي بتعرق. وأنا بفتح، لمحتها وهي بتساعد أمي تقعد، وبعدين ركعت قدامها وبدأت تدلّك لها رجليها كأنها متعودة على كده.
طلعت الورق.
ماكانش جواب حب.
ماكانش حتى رسالة.
كان عقد قانوني.
قريت سطرين وحسيت الدم ساب وشي.
ديون البيت متسددة
والإمضا على آخر دفعة مش إمضتي.
كانت إمضا نورا.
في اللحظة دي، رفعت عيني مصدوم و
في اللحظة دي، رفعت عيني مصدوم وقلبي بيدق بعنف كأني اتقفشت متلبس.
إنتِ عملتي كده إمتى؟ صوتي طلع مكسور، مش شبه الثقة اللي كنت داخل بيها.
نورا وقفت بهدوء، مسحت إيديها في طرف هدومها بعد ما كانت بتدلّك رجلي أمي، وبصّتلي نظرة مباشرة أول مرة أحس إنها شايفاني على حقيقتي.
من فترة، قالتها ببساطة.
كنت بس مستنية اليوم اللي تقرر فيه توريني الحقيقة بنفسك.
اتجمدت مكاني.
إزاي عرفتي أصلاً؟ أنا عمري ما
قاطعتني
عمرك ما قلت آه. بس أنا شوفت.
سكتت لحظة، وبصّت حوالين البيت، كأنها بتحكي مع المكان نفسه
مرة كنت بدوّر على حاجة في عربيتك ولقيت ورق قديم. عنوان البيت. ديون. اسم الحاجة أمينة. ما سألتكش لأنك لو كنت عايز تقولي، كنت هتقول.
بلعت ريقي بصعوبة.
بس قررتي تدفعي كل ده لوحدك؟ من غير ما تقوليلي؟ ليه؟
ضحكت ضحكة خفيفة، بس ما فيهاش فرح
مش عشانك بس عشانها. وبصّت لأمي.
وعشانك برضه عشان كنت شايفة قد إيه الموضوع ده مكسّرك من جواك.
أمي كانت ساكتة، عينيها مليانة دموع، وبصالي بنظرة عمرها ما بصتهالي قبل كده نظرة فيها خيبة أمل.
نورا كملت
بس بصراحة؟ كنت فاكرة إنك هتفرح أو على الأقل هتسألني ليه. مش تجيبني هنا عشان تختبرني كأني واحدة ممكن تسيبك عشان بيت قديم.
الكلام نزل عليّ تقيل تقيل لدرجة إني ما لقيتش رد.
قلت وأنا بحاول أتمسك بأي حاجة
أنا أنا كنت بس عايز أتأكد
تتأكد من إيه؟ صوتها علا لأول مرة.
إنّي مش سطحية؟ إنّي مش زي الناس اللي في دماغك؟ ولا إنك أنت لسه مش واثق فيّ بعد كل ده؟
سكتّ.
حكايات شروق خالد
ما عنديش إجابة
قربت خطوة مني، وبصّتلي في عيني مباشرة
إنت ما كنتش بتختبرني يا كريم إنت كنت بتعاقبني على حاجة أنا ما عملتهاش.
الكلمة دي ضربتني في صدري.
أنا عمري ما خجلت منك إنت اللي كنت مكسوف من نفسك.
حسيت الأرض بتميد تحت رجلي.
بصّيت حواليّا البيت اللي كنت شايفه عيب، هي شافته أصل. أمي اللي كنت مستخبي منها، هي حضنتها. وأنا كنت واقف عامل خطة عشان أوقعها.
ضحكت ضحكة مرّة
أنا طلعت غبي، صح؟
نورا ما ضحكتش.
قالت بهدوء مؤلم
لأ إنت كنت خايف. بس الخوف لما يخليك تجرح اللي بيحبك بيبقى مشكلة.
مدّت إيدها لشنطتها، وطلعت مفتاح صغير وحطّته على الترابيزة.
ده مفتاح البيت بعد ما اتسدد. المفروض يكون معاك.
بصّيت للمفتاح وبعدين ليها.
نورا أنا آسف.
هزّت راسها ببطء.
حكايات شروق خالد
عارفة.
سكتت لحظة وبعدين قالت
بس مش عارفة إذا كان ده كفاية.
الجملة دي كسرتني أكتر من أي حاجة.
اتحركت ناحية الباب، وقبل ما تخرج، أمي نادتها بصوت ضعيف
يا بنتي
نورا لفتت وبصّت لها.
أمي قالت وهي دموعها بتنزل
إنتي بنت أصول ربنا يكرمك زي ما كرمتي ابني، حتى وهو ما يستاهلش.
نورا ابتسمت ابتسامة حزينة، وقربت تبوس إيدها
ربنا يخليكي يا حاجة.
وبعدين خرجت.
الباب اتقفل وراها بهدوء بس الصوت جوايا كان عالي جدًا.
وقفت في نص الصالة، ماسك الورق بإيد، والمفتاح بإيد تانية وحاسس إني خسرت حاجة أكبر بكتير من اختبار.
حكايات شروق خالد
خسرت واحدة كانت بتحبني بجد وأنا كنت مشغول أختبرها بدل ما أستحقها.
الباب اتقفل وراها وأنا فضلت واقف مكاني، كأني اتسمرت في الأرض.
الدنيا سكتت فجأة. حتى صوت الهوا اللي كان داخل من الشباك بقى تقيل.
أمي قامت بالراحة
إنت عملت إيه يا كريم؟
ما رديتش.
كنت باصص للمفتاح في إيدي حاجة صغيرة،