صرخه خلف باب مغلق
بس لا مش هينفع أقف كده.
جريت برا الأوضة، لفيت على إخواتي.
خليكم هنا وماتتحركوش، تمام؟
إيفان هز راسه، بس عينه مليانة دموع. هي كويسة؟
ماعرفتش أرد.
لبست بسرعة، ومسكت مفاتيحي القليلةاللي أصلاً مالهاش لازمةوجريت برا الشقة.
السلم كان طويل أو يمكن أنا اللي كنت بجرى بسرعة زيادة. خرجت للشارع وأنا مش عارفة أعمل إيه.
مين هيساعدني؟
وفجأة افتكرت.
رجلي أخدتني من غير تفكير لحد البقالة.
الباب اتفتح بعنف، والجرس رن تاني.
مستر دالتون رفع عينه باستغراب.
هي أمي مش بترد! قلتها وأنا بنهج. حرارتها عالية أوي ومش بتصحى!
ثانية واحدة بس وشه اتغير.
ما سألش كتير.
لف ورا الكاونتر، مسك موبايله، وبدأ يتكلم بسرعة
أيوه، في حالة طوارئ ست فاقدة الوعي تقريبًا العنوان
بصلي. عنوانك؟
قلته بسرعة.
كمل المكالمة، وبعدين قفل، وبصلي بجدية
الإسعاف في الطريق.
وقفت هناك، بحاول أظبط نفسي، بس دموعي نزلت غصب عني.
تعالي، قال بهدوء. هنستناهم سوا.
بس أنا ماقدرتش أستنى.
إخواتي لوحدهم، قلت.
هز راسه فورًا. تمام يلا.
وقفل المحل، وطلع معايا.
الدقايق اللي بعد كده كانت ضباب.
الإسعاف وصلت، النور الأزرق مالي الشارع، ناس بتبص من البلكونات. المسعفين دخلوا بسرعة، وأنا واقفة ماسكة إيد نوح اللي كان بيعيط، وإيفان واقف ساكت بس وشه أبيض.
شالوا أمي على النقالة.
ضغطها واطي جدًا لازم نتحرك بسرعة، واحد منهم قال.
ينفع أجي معاها؟ سألت بخوف.
طبعًا.
بصيت
قبل ما أتكلم، مستر دالتون قال
أنا هفضل معاهم. ماتقلقيش.
بصيت له، مش مصدقة.
بجد؟
هز راسه روحي مع أمك.
في المستشفى، الوقت وقف.
قعدت برا الأوضة، إيدي في بعض، عيني على الباب.
كل دقيقة كانت بتمر كأنها ساعة.
لحد ما الدكتور خرج.
قمت بسرعة. هي كويسة؟
بصلي نظرة هادية، وقال
جالها انهيار حاد بسبب ضغط نفسي شديد وسوء تغذية كمان.
حسيت الأرض بتميل.
يعني إيه؟
يعني جسمها كان منهك جدًا. واضح إنها ما كانتش بتاكل كويس من فترة ومع الضغط، حصل انهيار.
دموعي نزلت. هتخف؟
ابتسم ابتسامة بسيطة
وصلتوها في الوقت المناسب.
حكايات شروق خالد
عدت ساعات وبعدين سابوني أدخل لها.
كانت نايمة بس المرة دي شكلها أهدى.
قربت منها، مسكت إيدها.
أنا هنا يا ماما، همست.
لحظة وبعدين إيدها اتحركت خفيف.
فتحت عينيها ببطء.
ليلى؟
دموعي نزلت فورًا. أيوه أنا هنا.
بصت لي بنظرة مليانة تعب وندم.
أنا آسفة قالت بصوت ضعيف.
هزيت راسي بسرعة. لا مش مهم. أهم حاجة إنك تبقي كويسة.
سكتت شوية وبعدين دموعها نزلت.
كنت خايفة مش عارفة أعمل إيه حسيت إني فشلتكم.
ضغطت على إيدها. إحنا لسه سوا وهنعدي ده.
بعد أيام، كل حاجة بدأت تتغير واحدة واحدة.
المستشفى ساعدتنا نتواصل مع أخصائية نفسية، وأمي بدأت علاج. ماكانش سهل بس كانت بتحاول.
مستر دالتون؟
بقى جزء من حياتنا.
كان بيعدي يطمن علينا، ويجيب حاجات بسيطة، بس أهم حاجة إنه كان بيدينا إحساس إننا
وفي يوم، وأنا واقفة في نفس البقالة المرة دي مش خايفة، مسكت فلوس في إيدي، وحطيتها على الكاونتر.
ده حق اليوم ده، قلت بابتسامة خفيفة.
بصلي، وابتسم لأول مرة.
اتأخرتي شوية.
ضحكت بخجل. بس وفيت بوعدي.
هز راسه وأكتر.
حكايات شروق خالد
يمكن أنا كنت فاكرة إن اللحظة اللي سرقت فيها رغيف العيش هي اللي غيّرت حياتي
بس الحقيقة؟
اللي غيّر كل حاجة
إني ما استسلمتش.
وإني طلبت مساعدة حتى وأنا مكسورة.
وأحيانًا
قرار واحد صغير، يائس
بيفتح باب لحياة جديدة خالص.
النهاية
مرت شهور مش أيام.
وكل يوم كان خطوة صغيرة بس خطوة لقدّام.
أمي رجعت البيت، مش زي زمان بالظبط بس أقوى بطريقة مختلفة. كانت لسه بتتعالج، ولسه في أيام صعبة، بس بقت تقوم الصبح. بقت تحاول. وده لوحده كان كفاية يخليني أصدق إننا هنعدي.
إيفان بقى يضحك تاني بجد مش تمثيل.
ونوح بطل يصحى من النوم وهو بيعيط.
وأنا؟
أنا ما بقيتش نفس ليلى.
في يوم من الأيام، كنت واقفة قدام نفس البقالة بس المرة دي مش خايفة، ولا جعانة، ولا تايهة. كنت ماسكة شنطة صغيرة فيها ورق تقديم.
دخلت.
الجرس رن بس المرة دي ما خضّنيش.
مستر دالتون كان واقف مكانه. بصلي وسكت لحظة، كأنه بيستوعب.
كبرتي، قالها بابتسامة خفيفة.
ضحكت كنت كبيرة من بدري بس يمكن دلوقتي بقيت أقوى.
قربت وحطيت الورق قدامه.
ده تقديم شغل.
رفع حاجبه شغل؟ هنا؟
هزيت راسي. آه لو لسه محتاج حد.
بصلي شوية وبعدين ابتسم،
تقدري تبدأي من بكرة.
أول مرتب ليا ما كانش كبير.
بس كان أول مرة أحس إني واقفة على رجلي بجد.
اشتريت أكل كتير. مش عشان إحنا محتاجين بس، لكن عشان الإحساس نفسهإني أقدر.
رجعت البيت، وحطيت الأكياس على الترابيزة.
إيفان قال وهو بيضحك هو إحنا فتحنا سوبر ماركت؟
نوح حضني وقال أنا مش جعان بس عايز آكل!
ضحكت ضحكة من قلبي.
بصيت ناحية أوضة أميالباب كان مفتوح المرة دي.
كانت قاعدة بتقرأ.
رفعت عينها، وابتسمتلي.
الابتسامة دي كانت كأنها وعد.
في نفس الليلة، وأنا واقفة في المطبخ، افتكرت اليوم ده.
اليوم اللي وقفت فيه قدام رغيف عيش ومكنتش عارفة هدخل البيت بإيه.
اليوم اللي قلت فيه لو سمحت هرجعلك لما أكبر.
ابتسمت لنفسي.
لأني فهمت حاجة مهمة
أنا ما استنيتش أكبر علشان أوفي بوعدي
أنا كبرت في اللحظة دي نفسها.
حكايات شروق خالد
بعد سنة، حياتنا ما بقتش مثالية بس بقت حقيقية.
أمي بقت تشتغل شغل بسيط من البيت.
إيفان بقى شاطر في المدرسة.
ونوح لسه بيحب الأكل أكتر من أي حاجة في الدنيا.
وأنا؟
بقيت أدرس وأشتغل وبساعد أي حد أشوفه واقف نفس الوقفة اللي وقفتها زمان.
مرة شفت بنت صغيرة واقفة قدام الرف ماسكة عيش، وعينيها مليانة خوف.
قربت منها بهدوء، وحطيت إيدي على كتفها.
وقلت نفس الجملة اللي غيرت حياتي
أحيانًا الناس بتحتاج مساعدة قبل ما تمشي صح.
مش كل النهايات بتكون وردية
بس أحيانًا،
بيظهر حد أو لحظة أو قرار صغير
ويغير كل حاجة.
وأنا كنت محظوظة
لأني في أسوأ يوم في حياتي
لقيت حد شافني.
حكايات شروق خالد