صرخه خلف باب مغلق

لمحة نيوز

لو سمحت أنا هرجعلك الفلوس لما أكبر، همست وأنا ماسكة رغيف عيش مش قادرة أدفع تمنهبس ورا الباب المقفول، أمي ما اتحركتش بقالها أيام، وإخواتي الصغيرين كانوا بيجوعوا واحدة واحدة، وماكنتش أعرف إن قرار يائس واحد هيغيّر حياتنا كلها.
الجزء الأول
فاكرة كويس اللحظة اللي كل حاجة بدأت تقع فيها رغم إني وقتها ماكنتش فاهمة إن دي كمان كانت اللحظة اللي بدأت أكبر فيها. كان يوم خميس كئيب في آخر نوفمبر، السما لا بتمطر ولا صافية، كأنها ضاغطة عليك ومخنقاك. كنت واقفة قدام بقالة صغيرة في الحي، إيدي بتترعش جوا كم جاكيت خفيف مش مدفيني، وببص من خلال الإزاز على حاجة بسيطة جدًا رغيف عيش.
اسمي ليلى هاربر. كان عندي ستاشر سنة وقتها، بس في حاجات كتير كنت حاسة إني أكبر بكتير. في البيت، إخواتي الصغيرينإيفان عنده 8 سنين، ونوح لسه متم خمس سنينكانوا مستنييني. مستنيين أكل. مستنيين مني أصلّح حاجة أنا أصلاً مش عارفة أصلّحها.
أمي ما قامتش من السرير بقالها يومين.
ماكانش ده حالنا دايمًا. كان في وقت شقتنا كانت ريحتها بان كيك يوم الأحد، وأمي بتضحك بصوت عالي على مسلسلات بايخة، وبتغني وهي بتغسل المواعين. بس كل حاجة بدأت تتغير لما خسرت شغلها التاني. بعدها الفواتير اتكدست، وبقت تكلم نفسها بالليل، وبعدين سكتت. سكون تقيل مالي الحيطان.
من يومين، بطلت ترد لما أخبط على باب أوضتها. مش خالص كانت بتتمتم بكلام مش مفهوم، بس ما كانتش بتقوم، ولا بتاكل، ولا حتى تبصلي.


والتلاجة كانت فاضية.
حطيت إيدي على إزاز البقالة البارد، وببص للناس اللي داخلة طالعة كأن الدنيا عادية. ست بتضحك في الموبايل ومعاها خضار طازة، راجل لابس بدلة خد ساندويتش ومش حتى بص على السعر. الحياة سهلة عندهم.
أما أنا كل حاجة كانت واقفة.
فتحت الباب.
جرس الباب رن بصوت عالي خلاني أتخض. الدفا ضرب في وشي، ووقفت لحظة أستمتع بيه. بطني وجعتني من ريحة المخبوزات.
مشيت ببطء بين الرفوف، بحاول أبان إني عادية، مش واحدة بتحسب كل خطوة. عيني وقعت على أرخص رغيف عيش. مسكته وقلّبته في إيدي بس الحقيقة إني كنت بكسب وقت.
كان معايا 3 جنيه.
والعيش ب.
بلعت ريقي بصعوبة. يمكن يمكن أسأل؟ أشرح بس. الناس بتساعد بعض صح؟
روحت على الكاونتر.
الراجل اللي واقف وراه شكله في آخر الخمسينات، عينيه تعبانة ووشه جامد. على البطاقة مكتوب مستر دالتون. ما بصليش حتى وأنا بحط العيش.
قال ب 3 99.
اتجمدت مكاني.
إيدي مسكت طرف الكاونتر جامد. قلبي بيدق في ودني. اتكلمي يا ليلى اتكلمي.
أنا معايا 3 بس، قلت بصوت واطي. بس ممكن أجي بكرة وأكملك. أوعدك.
بصلي ساعتها.
بجد.
عينه راحت من وشي لجاكيتي القديم، وبعدين لإيدي اللي ماسكة الكاونتر.
قال ببرود إحنا ما بنكتبش ديون هنا.
الكلام وجعني أكتر مما توقعت. مش قاسي بس نهائي.
فاهمة، قلت بسرعة. بس إخواتي في البيت ومكلوش من امبارح، وأمي
سكت.
ما تعيطيش مش هنا.
هرجعلك الفلوس، كملت بصعوبة. أنا مش بحاول
قلتلك مفيش ديون، كرر.
حاجة جوا
صدري اتكسرت.
فكرت أسيب العيش وأمشي. أرجع البيت بإيد فاضية. بس صورة إيفان وهو بيحاول يبقى قوي، ونوح وهو بيعيط من الجوع ما سابتنيش.
إيدي كانت بتترعش وأنا بسحب العيش ناحيتي.
أنا آسفة، همست.
ولفيت ومشيت ناحية الباب.
ما جريتش. ماقدرتش. رجلي كانت تقيلة. كل خطوة صوتها عالي في دماغي. فتحت الباب وخرجت للبرد.
الهوا ضربني كأنه صفعة.
مشيت شارع ورا شارع.
قلبي بيدق بسرعة، والخوف بيكبر. أنا عملت إيه؟ طب لو بلغ؟ لو
يا!
الصوت خلاني أقف مكاني.
لفيت ببطء.
مستر دالتون واقف برا المحل، لابس الجاكيت بسرعة. قلبي وقع. افتكرت إن دي النهاية.
حضنت العيش في صدري.
أنا آسفة، قلت بسرعة. أنا ماكنتش أقصد
قاطعني تعالي هنا.
اترددت.
كل حاجة جوايا بتقول اهربي بس في حاجة في عينيه خلتني أقف.
رجعت له.
كل خطوة أتقل من اللي قبلها.
وقفت قدامه وأنا ببص في الأرض.
قال اللي قولتيه ده حقيقي؟
هزيت راسي.
بجد مكلوش؟
هزيت راسي تاني.
وأمك؟
سكت شوية.
هي مش كويسة، قلت.
سكتنا شوية.
صوت العربيات، الناس، الدنيا ماشية عادي كأن اللحظة دي مش أهم حاجة في حياتي.
فجأة حسيت بحاجة في إيدي.
بصيت.
كيس.
مش بس العيشلبن، تفاح، وزبدة فول سوداني.
نفسي اتخطف.
قال بصوت هادي أنا مش بقول إن اللي عملتيه صح. السرقة غلط.
عارفة، همست ودموعي بتلمع.
بس أحيانًا الناس بتحتاج مساعدة قبل ما تمشي صح.
بصيت له.
ولأول مرة شفت حاجة في عينه مش شفقة ولا حكم.
تفهم.
هرجعلك الفلوس، قلت.
لوّح بإيده خلي
إخواتك ياكلوا بس.
دموعي نزلت.
شكرًا، همست.
ما ردش. لف ودخل المحل.
وقفت شوية ماسكة الكيس كأنه كنز.
ولما رجعت البيت، كان ساكت زي ما سيبته.
إيفان بصلي أول ما دخلت جبتي حاجة؟
رفعت الكيس.
وشه نور.
نوح جري حضني أنا جعان أوي.
عارفة، قلت وأنا بحضنه. خلاص كله هيبقى كويس.
بس وأنا واقفة معاهم حسيت إن ده بس البداية.
لأن ورا الباب المقفول أمي لسه ما اتحركتش.
وجوايا كنت عارفة
اللي بيحصل لها مش حاجة تنحل برغيف عيش بس.
حكايات شروق خالد
الجزء الثاني
ماقدرتش أستنى أكتر من كده.
بعد ما أكلت إخواتيإيفان وهو بيحاول ياكل بهدوء كأنه كبير، ونوح وهو بيبلع بسرعة كأنه خايف الأكل يختفيقمت وأنا قلبي بيدق بقوة، وبصيت ناحية باب أوضة أمي.
كان مقفول زي ما هو.
مشيت ناحيته ببطء. كل خطوة كنت حاسة إنها تقيلة. إيدي رفعت عشان أخبط بس اترددت.
وبعدين خبطت.
ماما؟
مفيش رد.
خبطت تاني، أقوى شوية.
ماما لو سمحتي افتحي الباب.
سكون.
قلبي بدأ يدق أسرع. بصيت ورايا على إخواتيكانوا ساكتين، متابعينني بعين مليانة خوف.
مسكت المقبض ولفّيته.
الباب كان مفتوح.
دخلت ببطء.
الستاير مقفولة، والأوضة ضلمة. ريحة تقيلة مالية المكان. عيني اتعودت على الضلمة تدريجيًا لحد ما شفتها.
أمي.
كانت نايمة على السرير بس مش نوم عادي. جسمها ساكن بشكل يخوّف، وشها شاحب جدًا، وشعرها متبهدل حواليها.
ماما؟
قربت منها، قلبي بيترعش. حطيت إيدي على كتفها وهزّيتها برفق.
مافيش استجابة.
ماما! قلتها بصوت
أعلى، والخوف بدأ يزحف جوايا.
حطيت إيدي على جبينهاكان سخن بشكل مرعب.
رجعت خطوة لورا، دماغي بتلف.
أنا لوحدي.
مفيش حد.

تم نسخ الرابط