لحن الظلام… حكايات شروق خالد
لم يعد يضحك.
لم يعد يتكلم.
الهواتف—
انخفضت.
ببطء.
لا أحد أراد تصوير هذه اللحظة.
لأنها لم تعد عرضًا.
كانت حقيقة.
مؤلمة.
حقيقية.
وفي الزاوية—
أحد العاملين التقط الناي.
نظر إليه.
ثم إلى الطفلة.
وابتسم بحزن.
لأن الجميع فهم الآن—
هي لم تكن تتسول.
هي كانت…
تبحث.
عن صوت.
عن ذكرى.
عن عائلة.
والليلة—
وجدت الاثنين.
لكن بثمن…
كبير جدًا.
حكايات شروق خالد
الناي عاد إلى يدها.
ببطء.
كأنها تستعيد جزءًا من روحها.
مسحت دموعها بطرف كمها.
نظرت إلى المرأة—
لا…
إلى خالتها.
لأول مرة—
لم يكن في عينيها خوف.
كان هناك شيء آخر.
شيء يشبه الأمان…
لكنه جديد.
غريب.
هش.
"هي… كانت بتحكي عنك."
قالتها فجأة.
صوتها منخفض.
لكن
الخالة ارتجفت.
"كل يوم تقريبًا…"
الفتاة أكملت.
"كانت تقول إنكِ ضيعتي منها… مش إنكِ سبتِها."
شهقة خرجت منها.
مكتومة.
مكسورة.
"كنت فاكرة… إنها نسيتني."
همست.
"أو… اختارت تبعد."
هزت الطفلة رأسها بسرعة.
"لا!"
بحدة.
بصدق.
"كانت بتحبك أوي…"
توقفت.
بلعت ريقها.
"بس كانت زعلانة…"
الصمت عاد.
لكن هذه المرة—
لم يكن ثقيلًا.
كان… كاشفًا.
الخالة أغلقت عينيها.
ذكريات اندفعت.
قديمة.
مدفونة.
ليلة الفراق.
الصراخ.
الأيدي التي سحبتها بعيدًا.
الوعود التي لم تُكمل.
"خدوكي مني…"
قالتها فجأة.
كأنها تتذكر.
"ناس… قالوا إنهم هيرجعوني…"
ضحكة قصيرة.
مكسورة.
"بس مارجعوش حد."
الفتاة اقتربت أكثر.
"وهي؟…"
سألت بخوف.
"حاولت
الخالة فتحت عينيها.
مليئة بالندم.
"يمكن…"
همست.
"بس كان في ناس… مش عايزيننا نتقابل."
الجملة سقطت.
خطيرة.
غامضة.
الرجل الغني—
تحرك أخيرًا.
وقف.
ببطء.
لكن هذه المرة—
لم يكن مستمتعًا.
وجهه شاحب.
وعيناه—
تراقبان.
بقلق.
الخالة لاحظت.
تصلب جسدها.
"هو…"
نظرت إليه.
ثم إلى الطفلة.
ثم عادت إليه.
"إنت… كنت تعرف آنا؟"
الصمت انفجر.
الأنظار اتجهت نحوه.
كلها.
هو ابتسم.
لكن—
ليست نفس الابتسامة.
هذه…
متوترة.
"العالم صغير."
قالها بخفة مصطنعة.
الخالة وقفت.
تمامًا.
حاجز بينها وبين الطفلة.
"جاوب."
بصوت حاد.
الأقنعة بدأت تسقط.
الرجل تنهد.
نظر حوله.
ثم—
ضحك.
لكن بلا دفء.
"أخيرًا… وصلنا للنقطة دي."
الهواء
الفتاة أمسكت بيد خالتها.
بقوة.
"إيه… اللي بتقوله؟"
الخالة سألت.
ببطء.
كأنها تخاف من الإجابة.
هو اقترب خطوة.
"أنا كنت… جزء من القصة."
تجمدت.
"القصة؟!"
صوتها ارتفع.
"القصة اللي بدأت لما عيلتين قرروا إنهم يفصلوا كل حاجة بينهم…"
نظر إلى الطفلة.
"حتى الأطفال."
القلب سقط.
"أنت…"
الخالة همست.
"كنت واحد منهم؟"
ابتسم.
"أنا مش واحد منهم…"
توقف.
ثم قالها.
ببرود.
"أنا اللي رتبت كل حاجة."
صمت—
مفزع.
الفتاة لم تفهم.
لكن—
شعرت.
الخطر كان واضح.
الخالة تقدمت.
غضبها اشتعل.
"إنت حرمتنا من بعض؟!"
صرخت.
هو لم يتراجع.
"أنقذتكم."
قالها بهدوء.
الجملة كانت أسوأ من الاعتراف.
"أنقذتنا؟!"
ضحكت.
بجنون.
"إنت دمرت حياتنا!
عيونه ضاقت.
"الحقيقة…"
قال ببطء.
"إن آنا كانت عارفة أكتر منك."
الفتاة رفعت رأسها.
الخالة تجمدت.
"كفاية."
قالتها.
لكن—
كان فات الأوان.
"كانت عارفة إن في حد بيدور عليكم."
صمت.
"وإن القرب… كان هيقتلكم."
القلب توقف.
"مين؟"
الخالة همست.
لكن—
لم يجب.
لأن—
في نفس اللحظة—
انطفأت الأنوار مرة أخرى.
لكن هذه المرة—
لم يكن مجرد ظلام.
كان—
بداية شيء أسوأ.
لحن الظلام…
حكايات شروق خالد