دم وحب تحت نار الطار حكايات شروق خالد

لمحة نيوز


الشمس كانت حامية على أرض الصعيد والهواء تقيل كأنه شايل ريحة دم قديم العيلتين واقفين قصاد بعض في ساحة البلد عيلة الدهشان وعيلة العزيزي والعيال الصغيرة قبل الكبيرة عيونهم مليانة نار كأنهم مستنين الشرارة اللي تولع كل حاجة واحد من الدهشان زعق بصوت عالي النهارده يا ننهيهم يا ننتهي ورد عليه شاب من العزيزي الدم اللي فات مش هيرتاح غير لما يترد والرجالة بدأت تقرب والسلاح يلمع في الإيدين والحاج صفوان كبير البلد واقف بينهم بيحاول يصرخ فيهم حرام عليكم البلد هتضيع بس ولا حد سامع ولا حد شايف غير الكره اللي عايش جواهم
بعيد عن الساحة في بيت قديم على طرف البلد كانت ليلى الدهشان واقفة بتبص من الشباك وقلبها بيدق بعنف أول ما سمعت صوت خبط خفيف الباب اتفتح ودخل آدم العزيزي بصوا لبعض وسكتوا لحظة كأن الدنيا كلها وقفت ليلى قالت بصوت مرتعش إنت ليه جيت دلوقتي لو حد شافك هنا هتبقى نهايتنا آدم قرب منها وقال وهو بيحاول يتمالك نفسه مش قادر أبعد عنك حتى لو الموت مستنيني ليلى دموعها نزلت وقالت إحنا غلطنا يا آدم من الأول غلطنا آدم هز راسه وقال لا ده مش غلط ده حب ليلى بصت له بوجع وقالت حب إيه أنا مراتك وده اللي هيقتلنا إحنا الاتنين
من سنة كانوا بيشوفوا بعض في سوق البلد نظرة وراء نظرة لحد ما الكلام بقى مقابلات في السر لحد الليلة اللي كتبوا فيها ورقة واتجوزوا عرفي تحت نور القمر وكانوا فاكرين إنهم يقدروا يهربوا من الكره اللي حواليهم بس الحقيقة كانت أكبر منهم
رجعوا للحظة اللي واقفين فيها آدم قال لازم نهرب دلوقتي قبل ما كل حاجة تضيع ليلى بصت له وقالت وهي حاطة إيدها على بطنها أنا حامل يا آدم ومفيش وقت آدم سكت لحظة وبعدين مسك إيدها وقال نهرب ونسيب كل حاجة ورا ضهرنا المهم نعيش ونحمي اللي جاي
لكن قبل ما يتحركوا صوت ضرب نار شق السما والبلد كلها ولعت الرصاص بيضرب من كل ناحية والصريخ مالي المكان والناس بتجري والدم بدأ يسيل في الأرض واحد من الدهشان وقع واتقتل قدام الكل وبعدها بدقايق واحد من العزيزي اتصاب ومات وسط أهله والاتنين كانوا زي الشرارة اللي حولت الخلاف لحرب حقيقية محدش قادر يوقفها
آدم شد ليلى من إيدها وجريوا بين البيوت الضلمة والدنيا حوالينهم بتولع نار

في البيوت وصوت الستات بتعيط والأطفال بتصرخ والرجالة بتضرب نار من غير حساب ليلى كانت بتجري وهي بتبكي وتقول إحنا السبب يا آدم إحنا السبب آدم قال وهو بيجري لا إحنا مش السبب هما اللي اختاروا الدم بدل الحياة
وصلوا لطرف البلد عند الجبل والنفس مقطوع والدنيا وراهم لسه مولعة ليلى وقفت وقالت مش قادرة أسيبهم كلهم بيموتوا آدم بص لها وقال لو رجعنا هنموت زيهم ومحدش هيكسب حاجة إحنا لازم نعيش عشان اللي في بطنك
وقبل ما يكملوا طريقهم ظهر وراهم رجالة من العيلتين كل واحد شايل سلاحه وعيونه فيها رغبة قتل أبو ليلى كان واقف بيصرخ ارجعي يا بنتي قبل ما أدفنك بإيدي وآدم وقف قدامها وقال محدش هيقرب لها حد من العزيزي قال له خنت دمك يا آدم ومش هتعيش بعد النهارده
ليلى صرخت فيهم كفاية بقى أنا بحبه وهو جوزي وأنا حامل منه لكن كلامها ضاع وسط صوت الرصاص اللي بدأ تاني فجأة واحد من العيلتين ضرب نار والرصاصة عدت جنبهم آدم مسك إيدها وجريوا ناحية الجبل من بين الرصاص والنار والكل بيطاردهم كأنهم هم العدو الحقيقي
طلعوا الجبل بصعوبة والليل بدأ ينزل عليهم صوت الضرب من بعيد لسه مستمر والنار منورة البلد كلها ليلى وقعت على الأرض من التعب وآدم قعد جنبها وهو بيحاول يطمنها هنعدي الليلة دي ونبدأ حياة جديدة بعيد عن كل ده ليلى بصت له بابتسامة مكسورة وقالت لو عشنا يا آدم هنسميه إيه قال لها وهو ماسك إيدها هنسميه أمل
لكن فجأة صوت طلقة جت من بعيد والرصاصة أصابت آدم في كتفه وقع على الأرض وهو بيصرخ ليلى صرخت باسمه وحاولت تسنده وهو بيقول لها اهربي يا ليلى متوقفيش ليلى هزت راسها وهي بتعيط مش هسيبك لو هموت هموت معاك
صوت خطوات قرب أكتر والرجالة وصلوا عند الجبل آدم حاول يقف تاني رغم الألم ووقف قدامهم وهو بيقول مش هتاخدوها مني واحد منهم رفع سلاحه وضرب رصاصة تانية أصابت آدم في صدره وقع على الأرض قدام ليلى وهي بتصرخ
الدنيا سكتت لحظة وآدم بص لها وهو بيبتسم بوجع وقال متخافيش عيشي وخلي ابننا يعيش حاجة كويسة وسط الخراب ده إيديه سابت إيدها وعينه قفلت
ليلى فضلت تصرخ باسمه والرجالة واقفين مش عارفين يعملوا إيه للحظة الكل سكت كأنهم استوعبوا إنهم قتلوا كل حاجة حتى الحب بس بعد ثواني حد زعق خلصوا
عليها هي كمان لكن قبل ما يضربوا كانت ليلى قامت وجريت ناحية الضلمة وسط الجبل اختفت بينهم وهم بيضربوا نار وراها بس محدش قدر يلحقها
الليل عدّى والبلد تحت كانت اتحولت لجحيم بيوت اتحرقت وناس ماتت من العيلتين الدم غرق الأرض ومحدش كسب ولا حد انتصر
بعد أيام كانت ليلى ماشية لوحدها بعيد عن البلد بطنها بتكبر وعيونها مليانة وجع لكنها عايشة شايلة ذكرى حب مات وطفل جاي يمكن يكون بداية حاجة مختلفة
وفي آخر مرة بصت فيها ناحية بلدها همست بصوت مكسور الدم عمره ما بيكسب حد وسيبت وراها حرب عمرها ما خلصت وحب اتحفر في الأرض مع صاحبه لكنه فضل عايش جواها وجوا اللي جاي يمكن يكون هو النهاية الحقيقية للدم ده كله
الشمس كانت بتغيب ورا الجبل والبلد كلها بقت لون واحد لون الدم والدخان صوت النار كان أهدى شوية بس وجع الصريخ لسه عايش في الهوا البيوت اتحرقت وناس كتير وقعت من العيلتين لا الدهشان كسبوا ولا العزيزي فضلوا زي ما هم كل بيت فيهم بقى فيه نحيب وهدوم سودة
ليلى كانت ماشية لوحدها في قلب الجبل رجليها بتتجر على الأرض وبطنها تقيلة من الحمل وعيونها ناشفة من كتر الدموع كأنها خلصت كل اللي جواها فجأة وقفت لما سمعت صوت خطوات وراها افتكرت إنهم لحقوها لكن لما بصت شافت الحاج صفوان واقف بعيد بيبص لها بحزن كبير قرب منها وقال بصوت مكسور البلد ضاعت يا بنتي ومحدش فضل فيها سالم
ليلى بصت له وسألته وهي مرعوبة آدم فين الحاج صفوان سكت لحظة وبعدين قال وهو بيهرب بعينه من عيونها مات يا بنتي زي غيره ليلى وقعت على الأرض كأن روحها خرجت منها وما بقاش فيها حاجة تمسكها فضلت تصرخ باسمه بصوت كسر سكون الجبل كله
في نفس الوقت تحت في البلد كان أبو ليلى قاعد قدام بيته اللي اتحرق نصه شايل سلاحه بس إيده بترتعش حوالينه جثث من أهله وولاده والدم مالي الأرض واحد من العزيزي كان واقع قدامه ميت وابنه جنبه مصاب وبيموت بالبطيء الاتنين بصوا لبعض لحظة كأنهم فهموا إنهم خسروا كل حاجة بس بدل ما يسكتوا واحد منهم قال بصوت مليان كره الدم لسه متردش والتاني رد وهو بيغمض عينه على ابنه اللي بيموت عمره ما هيترد غير بدم أكتر
الشر رجع تاني في لحظة كأن اللي حصل ما كانش كفاية كأن الموت ما شبعش
ليلى بعد أيام نزلت
من الجبل كانت ضعيفة ووشها شاحب بس عينيها بقت جامدة كأنها شافت كل حاجة وما بقاش فيه حاجة تخوفها دخلت البلد لقت كل بيت فيه عزا وكل أم لابسة أسود وكل طفل بيدور على أبوه بين الجثث ريحة الموت مالية المكان
وقفت في نص الساحة نفس المكان اللي بدأ فيه كل حاجة وحطت إيدها على بطنها وبصت حوالينها الناس سكتت لما شافوها واحدة من ستات الدهشان صرخت دي سبب المصيبة دي كلها وراها ست من العزيزي ردت لا دي العار اللي لازم يتغسل
ليلى ضحكت ضحكة موجوعة وقالت بصوت عالي يسمعه الكل أنا مش عار أنا النتيجة أنا اللي حصل لما الكره يكبر والدم يبقى أغلى من الروح
سكتوا لحظة لكن السكون ما طولش شاب صغير من العيلتين رفع سلاحه وقال لازم نخلص من اللي فاضل عشان الطار يهدى وفي لحظة الرصاص رجع يضرب تاني كأن البلد اتلعنت إنها ما تعرفش غير الصوت ده
رصاصة خرجت وخبطت في ليلى وقعت على الأرض وإيدها على بطنها والدم بدأ ينزل تحتها والناس واقفة تتفرج مش عارفين ينقذوها ولا يكملوا ضرب النار
بصت للسما وهي بتتنفس بالعافية وهمست بصوت واطي كان نفسي ابني يشوف الدنيا غير كده كان نفسي يعيش من غير دم ولا طار
عيونها قفلت بهدوء وسكت صوتها لكن الدم فضل ينزل
واحدة من الستات قربت تبص عليها وبعدين صرخت دي كانت حامل
الرجالة بصوا لبعض لحظة طويلة الصدمة كسرتهم بس ما غيرتش حاجة لأن بعد ثواني صوت حد قال الطار لسه مخلصش
والسلاح اترفع من جديد
مرت سنين والبلد اتعمرت تاني البيوت اتبنت من جديد والأطفال كبروا لكن الحكاية ما ماتتش كل جيل بيورث اللي قبله نفس الكره ونفس الحكاية يتحكي لهم عن الدم اللي لازم يترد وعن العار اللي لازم يتغسل
وفي يوم كان فيه ولد صغير واقف في نفس الساحة بيسأل أبوه ليه بنقتل بعض الأب بص له وقال عشان إحنا مننساش حقنا
الولد سكت لحظة وبعدين قال بس هو الحق ده هيخلص امتى
الأب ما ردش لأنه عارف الحقيقة اللي محدش بيقولها
إن الطار في الصعيد عمره ما بيخلص لأنه كل ما دم ينشف على الأرض بيطلع مكانه دم جديد وكل ما حد يموت يولد في قلب حد تاني سبب جديد للقتل
والحكاية بتفضل دايرة من غير نهاية لا حد بيكسب ولا حد بيتعلم واللي بيدفع التمن دايمًا ناس مالهاش ذنب غير إنها اتولدت وسط نار عمرها ما
بتطفي
دم وحب تحت نار الطار حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط