رواية جديدة
سمر بصتله، وشعرت بفراغ تلجي جواها. كان أسوأ من الصراخ إنه بجد مش شايف ألمها مهم. بالنسبة له، ألمها مجرد دوشة في الخلفية.
«شهامة؟» قالت بصوت بيترعش.
«إنقاذ صاحبك اللي ضيع فلوسه تلات مرات في مشاريع فاشلة وشبهات.. دي الشهامة؟»
«ما تجيبيش سيرة كريم!» صرخ أحمد.
«ده وقف معايا لما عربيتي اتخبطت، نسيتي؟»
«فاكرة»، هزت راسها.
«إدالك ٥ آلاف جنيه. وإنت اديته ٢٥٠ ألف. مالي أنا يا أحمد. الفلوس اللي شقيت فيها ١٢ ساعة في اليوم وأنا برجل مريضة. إنت عارف عملت إيه؟ كأنك قطعت حتة من جسمي واديتها له.»
«إحنا بيتنا واحد وفلوسنا واحدة!» زعق ونفد صبره.
«أنا راجل البيت ده، وأنا اللي بقرر. والقرار إننا ننقذ الصاحب. وبعدين هنحوش تاني. أنا هجيب الفلوس، فاهمة؟»
قالها بثقة كدابة، وهو عارف إنه مابيقررش حاجة بجد. سمر كانت عارفة قيمة وعوده.
«مش هتعرف تجيبهم يا أحمد»، قالت بإرهاق وهي بتبص في عينه.
«عمرك ما كسبت مبلغ زي ده في حياتك. أنا اللي حوشته. حرمت نفسي من اللبس، ومن الفسح، ووفرت حتى في الأكل. وإنت بتليفون واحد، قررت إن منظرك قدام صحابك أهم من إعاقتي.»
«منظر إيه؟» سخر منها، بس عينيه كانت مهزوزة.
«المنظر ده»، قالت ببرود.
«أردت إنهم يقولوا "أحمد جدع، وقف مع صاحبه". مش فارق معاك إن مراتك بتبكي من الوجع طول الليل. كل اللي همك برستيجك وسطهم. اشتريت رجولتك بصحتي.»
وشه احمر جداً. الحقيقة وجعته. قرب منها بجسمه وهو ريحته سجاير وحاجة ساقعة.
«إنتِ ست حقودة وبخيلة»، قال بغلّ.
«بترفضي تساعدي اللي محتاج. مين هيستحملك وإنتِ كدة؟ بتعرجي
ساد الصمت.
قامت سمر واقفة بالعافية. الوجع كان بيقطع في رجلها، بس مابينتش. كلامه كان زي المخدر موت كل حاجة جواها، وماسابش غير عقل صاحي وبارد.
ده مابقاش جوزها… ده شخص استغلها، ولما احتاجت له، اختار غيرها.
«شكرًا يا أحمد إنك عرفتني قيمتي عندك»، قالت بهدوء.
«كنت فاكرة إننا عيلة. بس واضح إني كنت مجرد حصالة لحياتك.»
راحت ناحية الدولاب، ونزلت الشنطة الكبيرة.
«بتعملي إيه؟» سأل بقلق. «رايحة عند أمك؟»
«لا»، قالت وهي بترمي الشنطة على الأرض.
«أنا قاعدة هنا. دي شقتي ورثتها عن جدي. إنت اللي وجودك هنا مؤقت.»
فتحت الشنطة.
«إنتِ… بتطرديني؟» قال بذهول. «علشان خاطر الفلوس؟»
«روح لكريم»، قاطعته. «مش هو أخوك؟ خليه يشيلك بقى.»
طلعت المطبخ، ورجعت بكيس الزبالة الكبير وهو مليان.
أحمد وقف مذهول وهو شايفها بتفضي كيس الزبالة جوا شنطة هدومه بقايا أكل، مناديل، علب سجاير فاضية… كل القرف اللي بيمثل حياته.
«بتعملي إيه يا مجنونة؟!» صرخ.
بس هي ما ردتش.
خدت هدومه النظيفة من الدولاب، ورمتها فوق الزبالة اللي في الشنطة.
«كدة المظهر بقى لايق على المضمون»، قالت بهدوء يخلي الواحد يقشعر.
حاول يمسك إيدها، بس بصتله نظرة خلته يرجع لورا.
«إنت دمرت صحتي»، قالت. «وده أقل واجب معاك.»
قفلت الشنطة بالعافية، وشاورت له بصباعها:
«اقعد عليها واقفلها… زي ما قفلت كل أبواب الرحمة في وشي.»
وقف مذهول مش مصدق إن دي سمر الضعيفة.
بس المرة دي هي مابكيتش.
رفعت العكاز بتاعها…
«اطلع بره حياتي يا أحمد… دلوقتي.»
أحمد وقف مسمر مكانه، عينه رايحة جاية بين شنطة الهدوم المخلوطة بالزبالة وبين نظرة سمر اللي كانت أقوى من أي وجع. حاول يلملم كرامته اللي اتهانت، وصرخ بصوت عالي كأنه بيحاول يقنع نفسه:
«إنتي فاكرة إنك كدة كسبتي؟ أنا ماشي يا سمر.. وهتشوفي بكره لما كريم يقف على رجله ويردلي الفلوس، هتبقي إنتي اللي خسرانة.. هتبقي "القرشانة" اللي باعت جوزها عشان قرشين!»
سمر ما ردتش بكلمة واحدة، فضلت باصة له ببرود قاتل وهي ساندة بضهرها على حرف السرير.
أحمد رزق الشنطة وراه وهو بيجرها، وخرج من الشقة وهو بيخبط الباب وراه بكل قوته لدرجة إن النجفة اتهزت. أول ما الباب اتقفل، سمر ما انهارتش.. بالعكس، دي سحبت نفسها ببطء، قعدت على الكرسي اللي جنب الشباك، وطلعت موبايلها.
بعد مرور أسبوعين..
أحمد كان قاعد في أوضة ضيقة في شقة كريم.. ريحة السجاير كبسة على نفسه، وكريم طول النهار نايم أو مبهدل في التليفونات مع ناس بيحاول يهرب منهم. لا في فلوس رجعت، ولا في "شهامة" أكلته لقمة نظيفة.
فجأة، تليفون أحمد رن.. كان المحامي بتاعه.
«أيوة يا متر.. في أخبار؟ سمر هديت وعايزة ترجع؟»
المحامي رد بصوت واطي ومحرج: «أستاذ أحمد.. إحنا في مصيبة. مدام سمر رفعت قضية "تمكين" من الشقة لأنها ورث، وكمان رفعت قضية "تبديد منقولات زوجية" وقضية "خلع".. بس مش ده المهم، المهم إنها قدمت مستندات تثبت إنك سحبت مبلغ ٢٥٠ ألف جنيه من حسابها الشخصي بتوكيل عام كان معاك، والمستشفى قدمت شهادة
أحمد حس إن الأرض بتلف بيه.. «حسابها الشخصي؟ توكيل؟ أنا كنت فاكر إننا واحد!»
في نفس الوقت.. في مستشفى "دار الشفا"
سمر كانت نايمة على السرير، لابسة لبس العمليات الأزرق، ووشها كان رايق وهادي لأول مرة من سنين. أختها كانت قاعدة جنبها، ماسكة إيدها وبتمسح عليها.
سمر بصت لأختها وقالت: «عارفة يا منال؟ الوجع اللي في قلبي راح من يوم ما خرج من البيت.. وجع ركبتي ده أمره سهل، شوية بنج وهيروح، بس وجع الروح كان عايز بتر.. وأنا بترته.»
الممرضة دخلت بابتسامة: «جاهزة يا مدام سمر؟ الدكتور "خالد" مستنيكي في غرفه العمليات.»
سمر ابتسمت بجد، وقالت بثقة: «جاهزة.. أنا بقالي سنة مستنية اللحظة اللي هقف فيها على رجلي من تاني.. ومن غير ما أسند على حد مابيسندش.»
المشهد الأخير:
بعد شهرين.. أحمد كان واقف قدام باب المعرض بتاع كريم، اللي بقى عليه "قفل" كبير وورقة محضر. كريم فص ملح وذاب، والفلوس راحت مع الريح.
وهو واقف، شاف عربية "تاكسي" وقفت قدام البيت القديم. نزلت منها سمر.. كانت لابسة فستان شيك، وماسكة شنطتها بإيد واحدة.. ومن غير "عكاز".
كانت ماشية بخطوات ثابتة، قوية، ورجلها مفرودة وزي الفل. لمحت أحمد من بعيد وهو متبهدل ووشه شاحب، بصت له نظرة واحدة.. نظرة مفيش فيها غضب، مفيش فيها غير "اللا مبالاة".
أحمد حاول يقرب منها، ينطق اسمها، بس سمر كملت طريقها وطلعت السلم وهي بتدندن بصوت واطي.. وكأنها بتعلن إن "العرجة" اللي كان بيعايرها
تمت.