قصه مشوقه
عاجزين عن رفع أعينهم. الكلمات التي قالوها في الماضي عادت إليهم الآن ثقيلة كأنها حجارة سقطت فجأة على صدورهم.
لم يتخيل أحد أن المرأة التي مروا بها يوما دون اكتراث أو رموها بنظرات قاسېة كانت ابنة واحدة من أغنى العائلات ولا أن الرجل الذي عاش بينهم حياة بسيطة يحرث أرضه ويربي دجاجه سيصبح يوما صهرا لتلك العائلة التي كانوا يظنونها بعيدة عن عالمهم بمسافات لا تقاس.
لكنني وسط هذا الانقلاب كله لم أشعر بأن شيئا تغير في داخلي. لم ينتابني شعور النصر ولا الرغبة في الرد ولا لذة المفاجأة. الألقاب الجديدة بدت لي فارغة والمكانة الاجتماعية لم تلمس قلبي. كل ما فعلته أنني الټفت إلى هانه ونظرت في عينيها طويلا. هناك في عمقهما كان الصفاء نفسه والبساطة نفسها والصدق ذاته الذي شدني إليها يوم رأيتها أول مرة في زاوية السوق. لم تغير الحقيقة الجديدة شيئا فيها لم تتبدل ملامحها ولا طريقتها ولا تواضعها الذي لم يعرف التكلف يوما.
عندها أدركت أن الحب الحقيقي لا يفاجأ بالحقيقة لأنه لم يبن أصلا على وهم. أحببتها حين كانت لا تملك شيئا وحين لم يكن لها اسم ولا مكان فكيف لي أن أتغير الآن أحببتها لأنها شاركتني القليل دون تذمر وتحملت معي الشدة بصمت ومشت إلى جواري في طريق صعب لم يكن فيه ضمانات ولا وعود. كانت امرأة اختارت الكرامة حين كان بوسعها أن تختار الرفاه واختارت الصدق حين كان بإمكانها أن تختبئ خلف الأقنعة.
ومنذ ذلك اليوم تغيرت القرية أو لعل الناس هم من تغيروا.
وفي نهاية كل يوم حين يهدأ كل شيء كنت أرفع بصري إلى السماء وأشكر القدر شكرا لا ترافقه كلمات لأنه ساقني في تلك
الأمسية الشتوية البعيدة إلى زاوية السوق. هناك
حيث ظن الناس أنني
وجدت امرأة متسولة بينما كنت في الحقيقة قد وجدت شريكة عمري ووجدت معها معنى الحياة الذي لم يعرفه المال يوما ولن يعرفه مهما كثر وتضاعف.
عدت إلى السوق في اليوم التالي ثم الذي يليه. كانت لا تزال هناك تجلس في نفس الزاوية المنسية. سألت عنها أصحاب المحلات فقالوا إنها ظهرت فجأة منذ أسابيع لا تتحدث مع أحد ولا تطلب سوى ما يسد رمقها.
في اليوم الرابع حسمت أمري. اقتربت منها وقلت بلهجة لم تخل من الارتباك
يا ابنة الحلال أنا رجل أعيش وحيدا في بيت كبير وأبحث عن رفيقة تحترم شيبتي وأحترم إنسانيتها. إن كنت بلا مأوى فبيتي مفتوح لك كزوجة على سنة الله ورسوله.
رفعت رأسها ونظرت إلي بنظرة طويلة لم أفهم معناها حينها كانت مزيجا من الذهول الارتياح وربما.. الشفقة علي! وافقت بهزة رأس صامتة.
أخذتها إلى بيتي اشتريت لها ثيابا تليق بآدميتها وعقدنا قراننا في حفل بسيط لم يحضره سوى إمام المسجد وشاهدين من الجيران الذين لم يكفوا عن السخرية
انظروا إلى عادل ترك نساء القرية
الفصل الثالث سنوات الهدوء الذي يسبق العاصفة
مرت السنوات الخمس الأولى كالحلم. كانت نور وهذا هو الاسم الذي اختارته لنفسها نعم الزوجة. صمتها كان بليغا وخدمتها لي ولبيتي كانت تفوق الوصف. أنجبت لي طفلين كأنهما قطعتان من القمر ياسين ومريم.
لكن شيئا ما كان يحيرني.. نور لم تكن تشبه المتسولين في طباعها. كانت تتحدث الفصحى أحيانا دون أن تشعر وتجيد القراءة والكتابة ببراعة بل وكانت تعزف على الناي الذي صنعته لها من قصب الأرض ألحانا تمزق القلب من شدة رقيها.
كنت أسألها من أنت يا نور فترد بابتسامة حزينة أنا المرأة التي أنقذتها من الرصيف وهذا كل ما يهم.
الفصل الرابع يوم الزلزال
في صباح يوم جمعة كان أطفالنا يلعبون في الفناء وأنا أصلح سياج الحديقة. فجأة ساد صمت غريب في القرية تبعه صوت محركات قوية لم نعتد سماعها في أزقتنا الضيقة.
توقفت أمام منزلي المتواضع ثلاث سيارات سوداء فاخرة من النوع الذي لا يملكه إلا الوزراء أو الأباطرة. ترجل منها رجال ببدلات رسمية سوداء يضعون سماعات في آذانهم ويحملون هيبة أرعبت الجيران الذين خرجوا من شرفاتهم يراقبون المشهد بذهول.
خرجت بملابسي الملطخة بالتراب وقلبي يخفق بشدة خيرا يا سادة ماذا تريدون. لم ينظروا إلي بل وقفوا بانتظام وفتحوا باب السيارة الوسطى وانحنوا باحترام شديد.
الفصل الخامس الحقيقة الصادمة
خرجت نور من المنزل. لم تكن خائفة بل كانت تمشي بخطوات ثابتة وظهرها مفرود للمرة
لقد تأخرتم كثيرا.. خمس سنوات وزيادة
تقدم رجل وقور يبدو عليه الوقار والثراء الفاحش وانحنى ليقبل يد زوجتي المتسولة وهو يبكي
يا صاحبة السمو..
الملك لا يزال حيا وقد استرد مملكته ويبحث عنك منذ تلك الليلة الغبراء التي هربت فيها من الانقلاب. والدك ينتظرك والأرض اهتزت لفقدك.
التفتت إلي نور والدموع تملأ عينيها. كانت هي الأميرة نورهان الابنة الوحيدة لحاكم دولة مجاورة والتي هربت بعد انقلاب دموي واختفت في ثياب متسولة لسنوات حتى لا يعثر عليها القتلة.
الفصل السادس الوداع والعهد
اهتزت بلدتي بأكملها. تحول بيتي البسيط إلى ثكنة عسكرية ومحط أنظار الصحافة العالمية في غضون ساعات. الجيران الذين سخروا مني بالأمس كانوا يقفون الآن بعيدا يرتجفون من الخوف والندم.
قالت لي وهي تمسك يدي أمام الجميع
عادل لقد تزوجتني وأنا لا أملك ثمن رغيف الخبز وأعطيتني الكرامة قبل أن تعرف من أنا. والآن المملكة تنتظرني لكن قلبي سيبقى هنا في هذا البيت الطيني.
لم تتركني نور. لم تأخذ أطفالي وترحل. بل صدر مرسوم ملكي من والدها بتعييني سفيرا فخريا وبناء قصر في قريتي الصغيرة ليكون مقرا صيفيا للعائلة الملكية.
الخاتمة
أدركت حينها أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. تلك المرأة التي ظن الجميع أنها حطام إنسان كانت هي الكنز الذي غير قدري. ومنذ ذلك اليوم لم يعد أحد في القرية يجرؤ على الهمس ليس خوفا من السلطة بل لأنهم تعلموا أن تحت