كلّ ليلة كانت حماتي تطرق باب غرفة نومنا عند الثالثة فجرًا، فوضعتُ كاميرا مخفية لأعرف ما الذي تفعله
جلست مارجريت بصمت يداها متشابكتان وعيونها مثبتة على الأرض.
استمع الطبيب لكل التفاصيلالطرقات المفتاح الهمسات. ثم سألها بلطف
مارجريت ما الذي تعتقدين أنه يحدث ليلا
ارتجف صوتها وهي تقول يجب أن أتأكد أنه بخير سيعود. لا أستطيع أن أفقد ابني مرة أخرى.
لاحقا وفي حديث خاص كشف لنا الطبيب الحقيقة.
منذ ثلاثين عاما حين كانت تعيش مع زوجها في شمال نيويورك اقتحم رجل غريب منزلهم ليلا. واجهه زوجها لكنه لم ينج.
ومنذ تلك الليلة عاشت مارجريت في خوف دائم من عودة ذلك المتطفل.
وعندما دخلت حياة ليام كما شرح
الطبيب اختلط ذلك الخوف القديم في ذهنها بي. لم تكن تكرهني كانت تراني مثل الغريبة التي قد تأخذ ابنها.
شعرت بالغثيان من شدة الذنب.
كنت أراها خطرا بينما كانت هي تعيش أسيرة خطر قديم لم يغادرها.
وصف الطبيب علاجا لطيفا وبعض الأدوية لكنه شدد على نصيحة واحدة الصبر والاتساق.
قال الصدمة لا تختفي لكن الحب يمكن أن يجعل
في تلك الليلة جاءتني مارجريت باكية.
همست لا أريد إخافتك فقط أريد أن أتأكد أن ابني بخير.
للمرة الأولى مددت يدي وأمسكت يدها.
قلت لها بهدوء لا داعي للطرق بعد الآن. لا أحد سيأتي إلينا. نحن بخير معا.
فانهارت بالبكاءلا كامرأة ناضجة بل كطفلة شعرت أخيرا أن أحدا يفهمها.
لم تكن الأسابيع التالية سهلة على الإطلاق. كانت مارجريت تستيقظ أحيانا مذعورة تتلفت حولها وتقول بصوت مرتجف إنها سمعت خطوات في الممر كأن الماضي ينهض من رماده ليسير في بيتنا. وكنت في بعض الليالي أفقد أعصابي يضيق صدري من التعب والسهر والخوف لكن ليام كان يضع يده على كتفي دائما ويقول برفق هي ليست عدونا هي فقط ما زالت تتعالج وما زالت تتعلم كيف تثق بالعالم من جديد.
حينها أدركت أننا بحاجة إلى روتين يربطنا بالأمان أكثر مما يربطنا بالقلق.
فبدأنا عادة جديدة
كل ليلة قبل أن نطفئ الأنوار نفحص الأقفال والنوافذ معا. نتحقق من كل شيء ببطء خطوة
ومع الوقت بدأت مارجريت تتحدث أكثر.
كانت تحكي عن زوجها الراحل عن الليلة المظلمة التي غيرت حياتها وعن السنوات التي تلتها وكيف كان النوم يهرب منها كلما أغمضت عينيها. وفي بعض الليالي كانت تنظر إلي بامتنان خافت وكأنها تخبرني دون كلام أنها بدأت تراني للمرة الأولى كما أنا لا كما رسمها الخوف في ذهنها.
وببطء توقفت طرقات الثالثة فجرا.
تغير شيء في البيت.
عينا مارجريت أصبحتا أكثر دفئا وصوتها أقل ارتجافا وابتسامتها عادت تشق طريقها من جديد خجولة لكنها صادقة.
قال الطبيب إن هذا تقدم. أما أنا فسميته سلاما السلام الذي لم يبن في ليلة واحدة بل تشكل مثل الضوء حين يتسلل تدريجيا إلى غرفة مظلمة.
وفي النهاية أدركت شيئا لم أكن أفهمه
أدركت أن شفاء إنسان لا يعني إصلاحه كآلة مكسورة ولا يعني أن الماضي يطوى كما تطوى ورقة وتلقى جانبا. فالجراح التي يخلفها الخوف لا تغلق بقرار والذكريات التي تربي داخلها الظلال لا تختفي لأنها لم تعد مرغوبة.
الشفاء الحقيقي هو أن نمد يدنا لشخص تائه في عتمته ونمشي معه خطوة بخطوة حتى وإن تعثر. هو أن نبقى بجواره عندما يعود الخوف ليطرق قلبه وأن نذكره بأن الطريق طويل لكنه ليس وحده فيه.
هو أن نكون نورا بسيطا وصغيرا يكفي فقط لإزاحة الظلام عن الخطوة التالية.
وبمرور الوقت يعود النور إلى قلبه ببطء شديد كأن الحياة تتسلل من جديد إلى بيت ظل طويلا غارقا في الصمت والقلق والخوف.
وهكذا حين توقفت طرقات الثالثة فجرا لم نحتفل بانطفاء الصوت بل احتفلنا بعودة الروح.
احتفلنا بقدرة إنسان جريح على أن يثق مرة أخرى وعلى أن يفتح قلبه للحياة بعد أن عاش عقودا خلف أبواب مغلقة وهو ينتظر خطرا لن يعود أبدا.
كان ذلك انتصارا