الهمسة المنقذة كابوس الشقة المظلمة حكايات شروق خالد
جسمها كله اتقفل واتخشب.
وبعدين، وقدام الفصل كله، نزلت على ركبها على الأرض، وبقت تبكي وتشهق بشهقات هيستيرية لدرجة إنها مكنتش قادرة تاخد نفسها.
ومن كتر الرعب والخوف.. عملت حمام على نفسها وهي واقفة مكانها.
الفصل كله سكت.. ومبقاش مسموع فيه نفس.
لأن في اللحظة دي.. أستاذ شريف أخيرًا فهم حاجة مرعبة وسودة أوي.
ده مكنش دلع عيال ولا قلة أدب..
ده كان إنذار بمصيبة.
واللي حصل بعد كده.. هيخلي المدرسة كلها تندم على كل ثانية تهاونوا فيها وعدوا فيها خوف البنت دي من غير ما يتحركوا...
حكايات شروق خالد
أستاذ شريف مبقاش شايف قدامه، الغضب عماه والخوف على البنت نفض قلبه. زعق للمساعدة وقالها: "اقفلي باب الفصل ومتخليش الراجل ده يلمح ضلها!" وجري على فريدة، شالها بالراحة وهي بتترعش كأنها عصفور بلله المطر، ودخل بيها على الحمام وبقى يهدّيها ويمسح دموعها وهو بيقولها: "أنا هنا يا فريدة.. مش هتمشي معاه.. أنا وعدتك وهوفي بوعدي".
طلع تليفونه وكلم الأم، دينا. المرة دي صوت شريف كان زي الرعد: "مدام دينا، أنتي لازم تيجي المدرسة حالا.. بنتك منهارة تماماً وعملت حمام على نفسها من الرعب لمجرد إنها سمعت إن جدها برة! في مصيبة بتحصل وأنتي مش دريانة!"
الأم اتخضت وقالت بصوت مرعوب: "أنا جاية حالا.. خمس دقايق وأكون عندك!"
شريف ساب البنت مع
أستاذ شريف وقف في وشه وقفل البوابة بضهره: "فريدة مش هتخرج من هنا يا أستاذ جلال.. إحنا طلبنا ممتها وهي زمانها جاية".
ملامح جلال اتقلبت في ثانية، الوش الشيك الهادي اختفى وظهر وراه وش تاني خالص، عينه ضاقت وقال بنبرة تهديد واضحة: "أنت اتجننت يا مدرس أنت؟ إزاي تمنعني آخد حفيدتي؟ أنا هخرب بيتك وأقعدك في بيتك النهاردة!"
في اللحظة دي، عربية دينا فرملت قدام البوابة بصوت عالي. نزلت جري ووشها أصفر، بصت لأبوها وبصت لشريف وقالت: "في إيه؟ بنتي مالها؟"
شريف أخدها من إيدها ودخلوا المكتب، وبدون أي مقدمات، سأل دينا قدام مديرة المدرسة: "مدام دينا.. باباكي ده بيقعد مع فريدة فين؟ ولما بياخدها بيروحوا فين بالظبط؟"
دينا قالت بذهول: "بيروح شقته القديمة اللي في المنيل.. هو عايش لوحده بعد وفاة أمي، وقال بيسلي وقته مع البنت.. في إيه يا أستاذ شريف؟ بابا بيحب فريدة جداً وبيجيب لها لعب كتير!"
شريف بص في عين الأم وقالها بصوت هادي ومرعب: "اللعب دي هي التمن يا مدام.. التمن اللي بيدفعه عشان بنتك تسكت. ادخلي شوفي بنتك في أوضة الأخصائية.. وشوفي الرعب اللي هي فيه".
دينا دخلت الأوضة،
الكلمات نزلت على دينا كأنها صاعقة. الأوضة الضلمة؟ اللعبة؟ التهديد بالسجن؟
دينا حست إن الدنيا بتلف بيها، وبدأت تفتكر حاجات كانت بتعديها بغباء: البنت بقالها فترة بترفض تروح لجدها، وبقالها كام يوم بتصحى بتصرخ في وسط الليل، ولما بتيجي سيرة شقته وشها بيتخطف.. الأم افتكرت إنها مجرد شقاوة عيال وخوف من الأماكن الجديدة!
دينا خرجت من الأوضة وهي بتصرخ زي المجنونة، وطلعت على برة البوابة وجلال كان لسه واقف مستني ببرود. هجمت عليه وضبته في صدره وهي بتبكي بدموع حارقة: "أنت عملت إيه في بنتي؟! عملت إيه في لحمك ودمك يا فاجر؟! دي طفلة عندها ست سنين!"
جلال وشه جاب ألوان، وبدأ يتلفت حواليه ويزقها: "أنتي اتجننتي يا بت؟ اسمعي الكلام اللي المدرسين الحثال بريلوه في دماغك؟ أنا أبوكي!"
أستاذ شريف مسبهوش يكمل.. كان جاب آخره. طلع تليفونه وضغط على زرار التسجيل اللي كان مشغله من أول ما جلال وقف قدامه، وتليفون تاني طلب بيه شرطة النجدة فوراً بتهمة هتك عرض طفلة والاعتداء عليها.
جلال أول ما سمع سيرة البوليس، البرود
خمس دقايق.. وسارينات البوليس رنت في المكان.
الظابط نزل وقبض على جلال اللي كان دافن وشه في الأرض من الخزي، وأخدوا الشنطة الجلد بتاعته.. واللي لما فتشوها في القسم، لقوا جواها تليفون عليه صور وفيديوهات لفريدة في الشقة الضلمة، فيديوهات كانت كفيلة ترمي الراجل ده ورا الشمس بقية عمره وتعدمه ميت مرة.
بعد أسبوع..
أستاذ شريف كان واقف في فصله، الصالة هادية، والعيال عمالة تلون. الباب خبط، ودخلت فريدة.. بس المرة دي كانت لابسة فستان جديد، والفيونكة الحمراء في شعرها، ووشها رجع ينور تاني والأمل مالي عينيها.
جريت على أستاذ شريف بنطلونه زي أول مرة.. بس المرة دي وهي متبسمة، وهمست في ودنه: "شكراً يا أستاذ شريف.. أنت وفيت بوعدك وصَدقتني".
شريف دمع، وبص برة الشباك وهو عارف إن الدرس اللي اتعلمه من الحكاية دي هيعيش بيه طول عمره كمدرس وأب.. إن دموع الأطفال وخوفهم مفيش فيه هزار.. وساعات همسة صغيرة من عيل، بتبقى هي الفاصل بين الحياة.. وبين الجحيم.
**الهمسة المنقذة: كابوس
حكايات شروق خالد