الهمسة المنقذة كابوس الشقة المظلمة حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

على الساعة تلاتة وخمسة العصر، طابور أولياء الأمور قدام مدرسة الابتدائي في وسط البلد كان زي أي يوم عادي. العربيات راكنة صف تاني، والعيال عمالة تسحل شنطها على الرصيف، والمدرسين بينادوا على الأسامي وسط دوشة الكلاكسات وصوت أتوبيسات المدرسة.
فجأة، البنت الصغيرة فريدة اتخشبت في مكانها.
كان عندها يدوبك ست سنين، حاطة توكة بفيونكة حمراء في شعرها، وشنطة المدرسة المرسوم عليها حصان مجنح عمالة تقع من على كتفها، بس وشها فجأة بقى أبيض زي القماشة. شدت بنطلون أستاذ شريف وهمست بصوت واطي جداً لدرجة إنه كاد ميكونش سامعها:
"أستاذ شريف.. والنبي.. متمشينيش معاه".
أستاذ شريف نزل على ركبه فوراً، وحاول يخلي نبرة صوته هادية رغم إن في حاجة انقبضت في صدره: "فريدة، يا حبيبتي، قصدك على مين؟"
مرتضش في الأول.. هي بس شاورت بصباعها الصغير ناحية بوابة المدرسة.
على الناحية التانية من البوابة، كان واقف راجل كبير في السن، لابس قميص مكوي ومتدك جوة البنطلون، وجزمة جلد بتلمع، وحاطط شنطة معازف جلد سودا تحت باطه. كان مبتسم ابتسامة حد متعود إن كل الأبواب بتتفتح له بمجرد ما يخبط.
"مساء الخير يا أستاذ"، الراجل قالها بمنتهى

الشياكة والبرود.. "أنا جاي آخد حفيدتي. أنا جلال، والد دينا".
أستاذ شريف بَص في كشف الأسماء المعتمدة للاستلام. اسم الراجل كان مكتوب فعلاً، جمبه إمضاء الأم وصورة بطاقته. يعني على الورق، كل حاجة كانت كاملة ومفيش فيها غلطة.
بس فريدة كانت بتتنفض.
قفشت في بنطلون أستاذ شريف أكتر وهمست وهي بتعيط: "مش عايزة أمشي معاه.. والنبي".
أستاذ شريف حس بلقمة باردة بتتلوى في بطنه. القوانين بتقول حاجة، بس البنت اللي واقفة قدامه كانت بتستغيث بكل حتة في جسمها.
قال بحذر: "يا أستاذ جلال.. أنا هكلم والدة فريدة الأول قبل ما أسلمهالك".
ابتسامة الراجل اتهزت حاجة بسيطة.. حاجة يدوبك تتلاحظ: "أفندم؟ أنا معايا تفويض رسمي، وبنتي عارفة إني جاي هنا".
أستاذ شريف رد: "أنا فاهم حضرتك، بس فريدة شكلها خايف جداً".
"العيال بتخاف من الهوا"، جلال قالها ونبرة صوته وطيت وبقت حادة: "مبتخلقش مشكلة من مفيش يا أستاذ".
أستاذ شريف دخل مكتب الإدارة وطلب دينا، أم البنت. ردت بسرعة، وكان مسموع في الخلفية صوت دوشة مكتب وكتابة على الكيبورد.
"أيوا يا أستاذ شريف، بابا فعلاً جاي ياخد فريدة النهاردة"، دينا قالتها وهي مستعجلة وملخومة في الشغل.
. "كل حاجة تمام.. هي بس تلاقيها اتفاجئت عشان مشافتوش من كام يوم. مشيها معاها لو سمحت، أنا ورايا شغل كتير".
أستاذ شريف غمض عينيه لثانية واحدة. التوكيل معاه، وتأكيد الأم معاه في التليفون.
بس في نفس الوقت.. معاه بنت صغيرة مرعوبة واقفة جمب البوابة، وبتتوسل له بعنيها من غير صوت عشان مياخدش القرار الغلط.
لما رجع لها، فريدة بصت له كأن كلمته هي اللي هتحدد مصير حياتها كله: "مامتك بتقول كل حاجة تمام"، قالها بالراحة وهو بيطبطب عليها.
وش البنت الصغيرة اتغير في ثانية.
مصرختش.. معيطتش.. هي بس بطلت تقاوم، كأنها في سنها الصغير ده عرفت وفهمت إن الكبار مش دايماً بينقذوا حد.
قبل ما يفتح البوابة، أستاذ شريف وطى جمب ودنها وهمس: "فريدة.. لو عوزتي أي مساعدة، قوليلي.. وأنا بوعدك إني هصدقك".
في جزء من الثانية، عينيها اتملت بحاجة شبه الأمل.
وبعدين جلال مد إيده ومسك كفها الصغير.
أول ما لمسها، جسم فريدة كله اتخشب وبقى ناشف زي الحيطة.
"شكراً يا أستاذ"، الراجل قالها بابتسامة ناشفة.
وأخدها ومشي.
أستاذ شريف فضل واقف عند البوابة لفترة طويلة بعد ما اختفوا على الرصيف، عدوا من جمب عربيات الأكل، وعربيات الدفع الرباعي
الراكنة، وأولياء الأمور اللي بيجروا عشان يلحقوا يروحوا قبل زحمة المرور ما تقفل البلد. الليلة دي، هو ميعرفش ينام.
جملة واحدة كانت عمالة ترن في نفوخه ومش راضية تسيبه:
"والنبي.. متمشينيش معاه".
تاني يوم الصبح، فريدة مكنتش نفس الطفلة بتاعة كل يوم.
مشرجتوش وهي بتجري على الفصل زي ما بتعمل دايماً، مسلمتش على أصحابها، مطلبتش الألوان اليمبى اللي بتحبها، ولا قعدت تحكي لأستاذ شريف عن الكرتون اللي اتفرجت عليه.
قعدت لوحدها في آخر الصالة، وعينيها باصة في الأرض ومبتتحركش.
في وقت الفسحة، ملحبتش. ولما عيل من العيال زعق وهو بيلعب، اتنفضت من مكانها بخضة تخوف. ولما أستاذ شريف قرب منها بالراحة وسألها لو عايزة تتكلم، هزت راسها بالرفض وسكتت.
مديرة المدرسة قالت له يفضل يراقبها: "يمكن البنت بتمر بأسبوع صعب في البيت وخلاص".
بس أستاذ شريف كان عارف وميز شكل الخوف الحقيقي كويس.
ويوم الجمعة العصر، يدوبك وهو بدأ يقول لنفسه يمكن أنا مكبر الموضوع وظالم الراجل، ظهرت المساعدة بتاعة الفصل عند الباب ووشها كان باين عليه التوتر والقلق.
وقالت بصوت واطي: "أستاذ شريف.. جد فريدة واقف برة.. وبيقول إنه جاي ياخدها تاني".

فريدة أول ما سمعت كلمة "جدها"..

تم نسخ الرابط