بطلة من ورق وشاش: حكايات شروق خالد
مكتب المدير كانت ريحته ممسحة أرضيات، وحبر مكن التصوير، وريحة القهوة المرة اللي مفيش مخلوق قرب منها. لمبات الفلورسنت كانت بتزن فوق دماغي. وكل ما شريف يتحرك في الكرسي اللي قدامي، كيس التلج الأزرق كان بيزيق وهو حاطه على فكه الورمان.
بنتك اتعدت على ابننا بوحشية وبمنتهى العنف. صوت مدام تهاني كان حامي وقاطع، زي المشرط اللي بيشرح الأوضة. مأقعدتش.. ولا حتى رمشت. كانت بتقول الجملة وكأن الحكم خلاص اتكتب واتمضى.
جنبها، جوزها أستاذ فؤاد حط ملف على مكتب المدير الأركت. نزل رزع وفلات، نوع الرزع اللي يخلي أي حد كبير في المدرسة يتسمر في مكانه.
إحنا هنرفع قضية تعويض مدني، قالها وهو حاطط إيده التقيلة على الخشب المتلمع. المبلغ المبدئي نص مليون جنيه. وطبعاً، نظراً لحجم الأذى النفسي والجسدي، إحنا بنقدم بلاغ جنائي.
نص مليون جنيه؟ وبلاغ جنائي؟
الكلمات دي مكنتش مجرد كلام، دي كانت عاملة زي صوت قفل بيتقفل على رقبتنا. بصيت لشريف، ولد قد بنتي مرتين في الحجم، وهو كان ماسك كيس التلج والزرقان عمال يسرح في فكه. قفلت بقه مكنتش طبيعية، وبقه كان معووج. المنظر كان يرعب.
بس الحسبة دي مكنتش راكبة خالص.
بنتي ليلى كلها على بعضها متجيش ٢ كيلو بالهدوم المبلولة. دي كانت بتعتذر للنمل لو داست جمبه بالغلط على الرصيف. كانت بتعيط لما تشوف إعلان عن كلب زعلان في التلفزيون،
الناس اللي معاها فلوس بيعرفوا يخلوا الإصابة تبان وكأنها حكم محكمة. والناس اللي زيي بيعرفوا إن الأرقام دي معناها خراب بيوت وتهديد.
أمين الشرطة خالد خطى خطوة من الركن اللي كان واقف فيه بهدوء زيادة عن اللزوم. ملامحه كان فيها أسف، بس الدفتر اللي في إيده مكنش فيه أي أسف.
يا فندم، بناءً على أقوال الشهود والإصابات اللي قدامي، أنا مضطر أخد ليلى على القسم عشان نعمل الإجراءات. لازم تتبصم.
قلبي عمل حركة غريبة ووجعني بجد في صدري. تبصيم؟ وفيش وتشبيه؟ لعيّلة عندها سبع سنين لسه لحد امبارح بتطلب مني أبص في الدولاب عشان متخافش من الضلمة قبل ما تنام؟
سكرتيرة المدير بطلت كتابة على الكمبيوتر ورا الباب الموارب. وقلم الإخصائية الاجتماعية وقف في الهواء فوق الدفتر الأصفر. حتى شريف بطل ينهج النفس الوجعان المبلول ده لثانية واحدة. مدام تهاني بصتلي من غير أي رحمة، وأستاذ فؤاد بيعدل كم قميصه،
محدش كان بيتحرك.
في اللحظة السودا دي، اتخيلت نفسي وأنا بطوح الملف ده من على المكتب وبشوف كل الورق القانوني المترتب ده وهو بيتبعثر على السجادة. بس بدل ما أعمل كده، شبكت إيديا في بعض جامد لحد ما عقل صوابعي وجعتني.
أنا عايز أشوف بنتي. حالا.
مدام تهاني بدأت تتكلم تاني، بس أنا قطعت كلامها من النص.
حالا.
خرجت قبل ما حد يديني إذن حتى. الممر بره المكتب كان مليان ورد معمول بورق الكرتون وشمس مرسومة بالألوان الشمع، أكاذيب مبهجة ملزوقة على الحيطان الطوب. وفي آخر الممر، كان فيه فصل صوته طالع وهم بيغنوا الحروف الأبجدية. صوت جزمتي كان عالي ومسمع في الأرض البلاط.
أوضة الممرضة كانت ريحتها مطهر، وجوانتيات لاتكس، وشاش قديم. ليلى كانت قاعدة على سرير الكشف ورجليها الصغيرين مدلدلين من على الحافة، مرجحتهم مرة، ووقفت أول ما شافتني. إيدها اليمين كانت ملفوفة بالشاش جامد. وكان فيه نقط دم ناشفة مغرقة الشاش الأبيض عند عقل صوابعها.
لما رفعت عينيها وبصتلي، أنا اتسمرت في مكاني.
ملقيتش في عينيها خوف. ولا لقيت ندم. أنا شفت نظرة تحدي وانتصار بارد خلتها تبان أكبر من سنها بعشر سنين. مش نظرة شر، ولا غرور.. دي كانت نظرة يقين وثقة.
الممرضة مسكت كمي ووطت صوتها مش راضية تتكلم ولا
بس أنا كنت عارف بالظبط مين تامر ده.
تامر ده كان الولد الصغير اللي ليلى بتتكلم عنه كل يوم تلات بعد حصة القراءة المشتركة. تامر بيحب الديناصورات، وبيكره صوت الجرس العالي، وكان بيسمي ليلى البطلة عشان في مرة مشيت معاه لحد الكانتين لما العيال الكبار قعدوا يضحكوا على الحزام الطبي اللي سانده تحت قميصه. أنا كنت فاكرها مجرد زمالة عيال بريئة. مكنتش أعرف إنها هتبقى دليل اتهام.
قعدت جنبها ومسكت إيدها السليمة. كانت منديّة وساقعة جوه إيدي.
يا حبيبتي، همستلها، وأنا بضغط على كل كلمة عشان صوتي ميرعشش. الشرطة بره. لازم تقوليلي إيه اللي حصل بالظبط.
ليلى بصت من ورايا على الباب المفتوح بتاع أوضة الممرضة. أمين الشرطة خالد كان مشي ورايا وواقف. ومن وراه، كانت عيلة شريف واقفين في الممر، ووشوشهم كلها ثقة. وشريف ساند على أمه، باين عليه الوجع وبيتفرج.
صوابع ليلى اتشدت على إيدي.
وبعدين ليلى رفعت إيدها المتجبسة.
أمين الشرطة خالد وقف ومادش إيده على الكلبشات.
وبنتي اللي عندها سبع سنين نطقت الأربع كلمات اللي شقلبوا الأوضة كلها
سألته عن تليفونه ليه؟.
الكلمات دي نزلت زي الصاعقة على الأستاذ فؤاد ومراته. ليلى كملت بصوت ثابت وواضح