خمس دقائق بعد الطلاق حكايات شروق خالد
في اللحظة دي، لفيت وشي وبصيت لكريم. عينيه جت في عيني.. وشاف فيهم النظرة اللي مكنش يتوقعها أبدًا. مكنتش نظرة واحدة مكسورة وخارجة من المحكمة بشنطة هدوم وعربية قديمة.
كانت نظرة واحدة عارفة كويس أوي هي بتعمل إيه.
هو افتكر إن ذكاءه خانه لما سابني أشتغل في حسابات الشركة ١٢ سنة من ورا الكواليس من غير ما يكتب اسمي على الورق. نسى إن السنين دي كلها خلتني حافظة كل قرش دخل وكل قرش خرج، وكل ورقة اتمضت، وكل ثغرة كان بيهرب منها. هو افتكر إني كنت نايمة على وداني لما كان بيحول الفلوس باسم أمه وباسم شيرين.. مكنش يعرف إن كل تحويل وكل حركة كانت بتتسجل في فلاشة صغيرة، متشالة في مكان أمان ميعرفوش غيري.
أنا ممضيتش على ورق التسوية والطلاق وبقيت "المطلقة الغيورة" إلا وأنا متأكدة إن الورق التاني وصل للمكان الصح وفي التوقيت الصح.. خمس دقايق بعد الإمضاء، بالظبط مع أول خطوة ليا برة باب المحكمة.
أم كريم بدأت تصوت في الشارع: "يا مصيبتي! يعني إيه الحجز؟ والفلوس اللي حطيتها باسمي يا كريم؟!"
وشيرين رجعت خطوتين لورا، وعينيها بدأت تلف حوالين نفسها، وبان وشها الحقيقي لما لقت المصلحة اللي جاية عشانها بطير في الهواء.
كريم بصلي وهو بينهج، والغل مالي عينيه، وبدأ
قبل ما يكمل خطوته، اتنين من أفراد الأمن بتوع المحكمة وقفوا في وشه ومنعوه يقرب مني.
أنا ملقيتش نفسي محتاجة أقول ولا كلمة. بصيت ليوسف وابتسمت، وفتحت له باب العربية الـ SUV القديمة اللي هو سابهالي تريقة واستخفاف. ركب في الكرسي اللي قدام وربط الحزام وهو مبسوط.
لفيت ورحت عند كرسي السواق، وقبل ما أركب، بصيت لكريم ونزلت نظارتي السودا وبصيت له بكل برود.. كأني برد له حركته بتاعة المفاتيح.
ركبت عربيتي، دورت الموتور، ومشيت.. وسبتهم ورايا في عز الشمس، بيشربوا الشربات اللي جابوه بس بطعم المرار.
حكايات شروق خالد
أنا مشيت، وعيني في مراية العربية على منظرهم وهو بيصغر ورايا. كريم كان زي المجنون، بيزعق للمحامي بتاعه ويمسك في خناق أخوه، وشيرين واقفة بعيد وبتتكلم في تليفونها بصوت واطي، باين عليها بتشوف هيهربوا الفلوس اللي فاضلة إزاي، وأمه قعدت على الرصيف بتندب حظها واللؤلؤ اللي في رقبتها مابقاش ليه أي لازمة.
يوسف بصلي وهو بيعدل السويت شيرت بتاعه وقال بفضول: "ماما، هو بابا زعلان ليه؟ وليه طنط شيرين بتبكي؟"
أخدت نفس طويل، لأول مرة من شهور أحس إن الهوا بيدخل صدري من غير ما
شغلت كاسيت العربية على أغنية هادية، وسوقت في زحمة الشوارع وأنا حاطة إيدي على الشنطة الصغيرة اللي معايا. الشنطة دي مكنش فيها هدوم بس.. كان فيها لابتوب صغير، عليه النسخ الأصلية من كل الحسابات، وعقود تانية فرعية كريم نسى إن أمضته عليها، تثبت إن نص رأس مال الشركة ده كان من دهبي وفلوس ورثي من أبويا الله يرحمه.
قضية الكسب غير المشروع والضرائب دي كانت مجرد "المقبلات" عشان تجمده وتخليه مش عارف يتصرف في قرش واحد، إنما المعركة الكبيرة بجد هتبدأ في محكمة الجنايات والاقتصادية.. وأنا مش هسيب حقي وحق ابني.
وصلنا قدام عمارة قديمة في مصر الجديدة، عمارة بابا الله يرحمه. الشقة دي كانت مقفولة بقالها سنين، وكريم كان دايماً يقولي: "ابقي بيعيها وحطي فلوسها في البنك باسمي عشان نعمل بيها مشروع." الحمد لله إن قلبي نقح عليا وما طاوعتوش.
نزلت ونزلت يوسف، وطلعنا السلم. فتحت الباب، الشقة كانت تراب، بس الشمس كانت داخلة من البلكونة ومقوية المكان. يوسف جري على الصالة وبدأ يتنطط: "المكان هنا واسع أوي يا ماما! ينفع أجيب لعبي هنا؟"
قلت له وأنا بضمّه لحضني: "ينفع يا قلب
قعدت يوسف يتفرج على التلفزيون بعد ما شغلته بصعوبة، ودخلت البلكونة. تليفوني رن.. كان رقم المحامي بتاعي، الأستاذ عصام.
رديت بسرعة: "أيوة يا متر؟"
صوته جه يضحك وبيتكلم بثقة: "مبروك يا مدام.. البلاغات اتقدمت رسمي، والنيابة أصدرت قرار التحفظ فوري بناءً على المستندات اللي قدمناها الصبح. كريم بيه دلوقتي مش عارف يدفع حق الشربات اللي شربوه برة المحكمة."
ضحكت من قلبي، ضحكة ماليها الراحة: "تفتكر هيحاول يكلمني؟"
المحامي رد: "هيموت ويكلمك، بس نصيحة.. مت رديش على أي مكالمة ولا رسالة. سيبيه يغرق في شبر مية، والمحكمة هي اللي هتتكلم بالنيابة عنك."
قفلت مع المحامي، وبصيت للسما. الشمس كانت بدأت تغيب، بس جوايا كان فيه فجر جديد بيطلع.
Twelve years of marriage reduced to signatures? No.
اتناشر سنة جواز علموني إزاي أكون قوية، وإزاي آخد حقي بالقانون ومن غير ما ألف ولا أدور.
وفجأة تليفوني نور.. رسالة من كريم.
فتحتها وأنا ببتسم ببرود. الكلمات كانت بتهدد وتتوعد، وفي آخرها كاتب: "هخرب بيتك يا.."
مسحت الرسالة وعملت للرقم "بلوك".
لفيت ضهري للبلكونة ودخلت ليوسف، وبدأت حياتي الحقيقية.. أنا وبس.
خمس
حكايات شروق خالد