خاتم في طي النسيان حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

زياد قام من على الأرض، وراح حضن أمه، وقال لها بهمس: "ماما، هي مابتتكلمش خالص.. بقالها أسبوع بتبص لنا وبتعيط بس. هي اللي نظفت الشقة معانا قبل ما تتعب وتنام النوم ده.. كانت عايزة تعمل حاجة تكفر بيها عن اللي فات."
كلارا شافت في ركن الأوضة شنطة سفر قديمة، مفتوحة، وطالع منها صور قديمة ليها وهي صغيرة.. صور كانت فاكرة إن أمها حرقتها من زمان.
في اللحظة دي، الست اللي على السرير فتحت عينيها بالراحة. عيون تايهة، مفيهاش ذرة من القسوة اللي كلارا فاكراها. أول ما عينيها جت في عين بنتها، إيدها المرتعشة اللي فيها الخاتم اتحركت ببطء ناحية كلارا، وكأنها بتطلب السماح قبل ما الوقت يخلص.
كلارا وقفت متسمرة.. هل تسامح وتهدم سور الحماية اللي بنته حول نفسها سنين؟ ولا تفضل شايلة الوجع وتخرج من البيت ومترجعش تاني؟
السكوت رجع تاني يملى الأوضة، بس المرة دي مكنش سكوت خوف.. كان سكوت "قرار" هيغير حياتهم كلهم.
كلارا حست إن الحيطان بتضيق عليها. النفس اللي كانت بتحاول تاخده كان بيحرق صدرها. بصت لهشام ولزياد، لقت في عينيهم نظرة غريبة.. نظرة "تعود". الأسبوع اللي فات ده غير فيهم حاجة، خلاهم يقبلوا وجود "العدو" اللدود في بيتهم، بل ويخدموه كمان.
"يعني إيه يا هشام؟" كلارا سألت بصوت مرتعش. "يعني أنا أرجع من غيابي، ألاقيها نايمة في سريري؟ لابسة هدومي؟ واخدة مكاني؟"
هشام قرب منها أكتر وهمس: "محدش خد مكانك.. هي كانت محتاجة رعاية، وزياد هو اللي أصر. قال دي جدتي مهما حصل. كلارا.. الدكاترة بيقولوا إنها أيام."
الست اللي على السرير حاولت تطلع صوت، بس خرج منها "حشرجة" تقطع القلب. عينيها كانت مبرقة وبتحاول تثبتها على وش كلارا، ودمعة نزلت من طرف عينها غرقت المخدة.
الإيد اللي فيها الخاتم فضلت ممدودة في الهوا، بتترعش، مستنية أي لمسة.
كلارا رجعت خطوة لورا. شريط ذكريات مر قدامها زي البرق: خناقاتهم، كلامها اللي زي السم، اليوم اللي طردتها فيه من البيت وهي بتعيط، والسنوات اللي قضتها في العلاج النفسي عشان بس تعرف تعيش حياة طبيعية.
"أنا مش هقدر.." كلارا قالتها وهي بتنهج. "مش هقدر ألمس الإيد دي. إنتو مش عارفين هي عملت فيا إيه."
زياد قرب من جدته، ومسك إيدها وباسها، وبص لأمه وقال: "هي مش فاكرة هي عملت إيه يا ماما.. هي دلوقتي مجرد ست غلبانة خايفة تموت لوحدها. لو مشيتي دلوقتي، هتندمي طول عمرك إنك مادتلهاش فرصة تطلب السماح."
كلارا بصت لابنها.. الولد اللي كبر وبقى عنده رحمة هي نفسها مش قادرة تلاقيها في قلبها دلوقتي. بصت للأرض، شافت الجزمة اللي عند الباب.. الجزمة اللي كانت "نظيفة" و"مرتبة". افتكرت إن أمها كانت دايماً مهووسة بالنظام، حتى وهي بتموت، لسه بتحاول ترتب الدنيا حواليها بطريقتها.
فجأة، الست اللي على السرير اتنفضت نفضة قوية، وجسمها بدأ يتشنج. هشام جرى عليها بسرعة وزياد صرخ: "جدتي!"
كلارا وقفت في مكانها ثانية.. ثانية واحدة كانت كأنها دهر. صراع بين "الضحية" اللي جواها اللي عايزة تهرب، وبين "الأم" والـ "إنسانة" اللي مش قادرة تشوف روح بتطلع قدامها وتتفرج.
بدون تفكير، رميت شنطتها على الأرض وجريت على السرير. مسكت إيد أمها بقوة.. الإيد اللي كانت بتخاف منها طول عمرها.
"أنا هنا يا ماما.." كلارا قالتها وهي بتعيط بحرقة. "أنا هنا.. مش هتمشي وإنتي خايفة."
الست أول ما حست بلمسة كلارا، جسمها هدي فجأة. العيون اللي كانت بتدور في الأوضة برعب ثبتت على وش بنتها. ابتسامة خفيفة أوي، تكاد تكون مش باينة،
اترسمت على وشها. ضغطت بآخر قوتها على إيد كلارا.. ضغطة صغيرة كأنها بتقول "شكراً".
وبعد ثواني.. الإيد دي ارتخت. الخاتم القديم ملمسه بقى ساقع تحت صوابع كلارا.
السكوت رجع تاني للشقة.. بس المرة دي كان سكوت "نهاية".
كلارا فضلت ماسكة إيد أمها، والدموع نازلة على خدها. مكنتش عارفة هي بتعيط على أمها، ولا بتعيط على السنين اللي ضاعت في الكره، ولا بتعيط لأنها أخيراً بقت "حرة" من الماضي ده.. بس المرة دي، وهي بتبص لهشام وزياد، عرفت إن البيت ده مش هيرجع زي الأول.. هو بقى "أحن" بكتير.

كلارا فضلت قاعدة على طرف السرير، لسه ماسكة الإيد اللي بردت فجأة. هشام حط إيده على كتفها بحنان، وزياد قعد عند رجليها ودفن وشه في الملاية وهو بيعيط بصوت مكتوم. الأوضة اللي كانت من شوية مليانة توتر، بقت فجأة مليانة هدوء غريب.. هدوء "الموت" اللي بيفرض احترامه على الكل.
بعد دقايق، كلارا قامت ببطء. دخلت الحمام، غسلت وشها بمية ساقعة، وبصت لنفسها في المراية. شافت ملامح أمها في وشها.. نفس العينين، نفس العند، بس المرة دي كان فيه "نور" جديد في عينيها، كأن الحمل اللي كان واجع ظهرها سنين انزاح.
خرجت وراحت لهشام، قالتله بصوت ثابت: "لازم نخلص الإجراءات يا هشام. مش عايزينها تفضل كدة كتير."
هشام هز راسه وبدأ يتحرك، وزياد قام يساعده. كلارا رجعت للطرقة، شافت الجزمة "الرقيقة" اللي كانت سبب رعبها أول ما دخلت. وطت، رفعتها من على الأرض، ومسحت عليها بإيدها. حست إن الجزمة دي كانت آخر محاولة من أمها عشان تبين إنها بقت "ست تانية"، ست رقيقة وهادية، مش الوحش اللي كان في ذاكرة كلارا.
راحت للمطبخ، لقت شنطة الخضار واللحمة اللي كانت جايباهم لسه على الترابيزة. طلعت اللحمة وبدأت

تقطعها، وبدأت تجهز الأكل اللي كانت ناوية تعمله من الصبح.
هشام دخل عليها المطبخ مستغرب: "كلارا.. إنتي بتعملي إيه؟ مش وقته خالص."
كلارا بصتله وابتسمت ابتسامة باهتة: "لازم ناكل يا هشام. ولازم ناكل سوا. أمي عاشت حياتها كلها بتفرقنا، بس وهي بتموت، جمعتنا تاني. أنا هطبخ الأكلة اللي كان نفسي فيها، وهنتعشى، وبعدها هنودعها."
وهي واقفة قدام البوتاجاز، وصوت تقطيع الخضار مالي المكان، حست إن روح البيت رجعت. السكوت اللي كان "يخوف" الصبح، بقى دلوقتي سكوت "رضا".
زياد دخل المطبخ وجاب الصور القديمة اللي لقاها في شنطة جدته. حطها قدام أمه وقال: "ماما، شوفي الصورة دي.. كانت شايلاها تحت مخدتها."
كانت صورة لكلارا وهي عندها ٥ سنين، بتضحك من قلبها، وفي ظهر الصورة كان مكتوب بخط مهزوز ويدوب يتقري: "سامحيني يا بنتي.. كنت فاكرة إن القسوة هتحميكي، بس طلعت بتكسرني."
كلارا ضمت الصورة لصدرها وغمضت عينيها. في اللحظة دي، ولأول مرة من سنين، حست إنها مش بس رجعت بيتها.. هي رجعت لنفسها.
خلصوا كل حاجة، ودفنوا الست اللي كانت "عاصفة" في حياتهم في هدوء تام. ولما رجعوا البيت بالليل، كلارا فتحت الشبابيك ودخلت هوا الصيف المنعش، وبصت لهشام وزياد وقالت:
"عارفين.. أنا كنت فاكرة إن البيت هو الحيطان والنظام. بس اكتشفت إن البيت هو القدرة على إننا نسامح ونكمل.. مهما كان الماضي تقيل."
ومن اليوم ده، الجزمة الرقيقة فضلت محطوطة في ركن بعيد في الدولاب.. مش عشان تلبسها، بس عشان تفضل تفتكر إن "الرحمة" دايماً ليها مكان، حتى في أصعب اللحظات.
دي كانت نهاية تليق برحلة "كلارا" النفسية. القصة بدأت برعب وشك، وانتهت بسلام داخلي وتصالح مع الماضي. أتمنى تكون القفلة عجبتك!

خاتم

في طي النسيان

حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط