النبض المستحيل حكايات شروق خالد
كانوا خلاص هيحرقوا جثة مراته الحامل، بس هو اترجاهم يفتحوا النعش نظرة أخيرة.. ولما شاف بطنها بتتحرك، وقف كل حاجة وهو مش متخيل إيه السر المرعب اللي هينكشف عن عيلتهم.
الهوا جوه دار "الكريماتوريوم" في قلب حي المعادي كان تقيل أوي، لدرجة تخنق. ريحة البخور والورد الدبلان كانت مالية المكان، ومعاهم وجع قلب يكسر العضم.
مازن كان واقف جنب النعش، مش قادر يتحرك، إيديه بتترعش وهي ماسكة الخشب، وكأن ده الحاجه الوحيدة اللي سانداه عشان ميقعش على الأرض. جوه النعش، وفي سكون تام، كانت نايمة "نيرة" مراته. نيرة اللي كانت من يومين بس كأنها كتلة طاقة وحيوية، دلوقتي وشها باهت، بارد، وشاحب تحت نور الأوضة الأصفر الضعيف.
كانت حامل في الشهر السابع. سبع شهور وهما مستنيين "ياسين". سبع شهور من التخطيط، ولبس البيبي اللي مترصص في الدواليب، وصور السونار اللي متشالة في دوسيه أزرق، وكلام
كل ده انتهى -أو ده اللي قالوه لمازن- في ليلة مطر وعاصفة على طريق "مصر - إسكندرية" الصحراوي. قالوله إن عربية نيرة لفت بيها على الطريق الغرقان مية، وخبطت في السور الخرساني واتدمرت تماماً.
قالوله إنها ماتت في وقتها. حلفوله إنها متعذبتش. عادوا وزادوا في كلام كتير عشان يصبّروه. بس في اللحظة دي، وهو واقف قدام النعش المقفول، كان فيه حاجة جوا قلبه رافضة تصدق كل اللي بيتقال ده.
الموظفين بتوع المدافن كانوا بيتحركوا حواليه ببرود احترافي، بيحاولوا ميعملوش صوت عشان ميجرحوش حزنه. وأهل نيرة كانوا واقفين بعيد شوية. "الحاجة كريمة"، والدة نيرة، كانت قاعدة على كرسي بتعيط بصوت مكتوم وهي بتسبح على سبحتها بإيدين مرعوشة. أما "هاني"، أخو نيرة الكبير، فكان ساند ضهره على الحيطة، ملامحه ناشفة، وعينيه حمراء وومربع
لما واحد من العمال قرب منه بالراحة عشان يبلغه إنهم لازم يبدأوا إجراءات الحرق، مازن رفع راسه ببطء شديد وقال وصوته مخنوق:
— لازم أشوفها مرة أخيرة.
الراجل اللي لابس أسود تردد ثانية وقال:
— يا أستاذ مازن، أنا مقدر وجعك، بس دي تعليمات...
— مرة أخيرة — مازن قطع كلامه بلهجة حازمة — أرجوك.
ساد هدوء تقيل ومحرج في المكان. وفي الآخر، العمال فتحوا القفول ورفعوا الغطا بحذر. مازن حس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه. نيرة كانت هناك، وشها كان جميل بزيادة لدرجة توجع، وكأنها بس نايمة في حتة هو مش طايل يوصل لها. حط إيده على بقه عشان يمنع صرخة مكتومة، وقرب وشه من وشها.
وفي اللحظة دي.. شافها.
البطن الكبيرة اللي تحت الفستان الأسود.. اتحركت.
كانت حركة صغيرة جداً، تكاد تكون مش باينة، بس حصلت.
مازن
وفجأة.. حصلت تاني.
حركة واضحة. زي خبطة منتظمة تحت القماش. نبض مرئي. نبض حي!
عيني مازن برقت والادرينالين جري في عروقه:
— وقفوا! — صرخ بأعلى صوته لدرجة إن الحيطان هزت، ولف للعمال وهو مخضوض — وقفوا كل حاجة فوراً!
الناس اللي واقفة اتنفضت من مكانها.
— فيه إيه يا أستاذ؟ — الموظف سأل وهو مش فاهم حاجة.
— بطنها اتحركت.. أنا شوفتها!
الموظف وشه اصفرّ في ثانية. حد من اللي واقفين ورا همس إن ده غالباً "تشنج عضلات بعد الموت"، وموظف تاني حاول يشرح إن الجسم بيخرج غازات بعد الوفاة. بس مازن مكنش سامع حد. رمى نفسه على النعش، ومسك كتاف مراته الباردة وبدأ يهزها بلهفة ورعب:
— نيرة! نيرة! حبيبتي،