بنت الأصول والقلوب السودة حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

مش هضعف، وجلال فضل قاعد في الصالة لوحده، يمكن كان فاكر إني ههدأ وأطلع أعتذر له كالعادة.
على الساعة 3 الفجر، مكنش جالي نوم. قمت أدور على شراب الضغط بتاعي في الدرج اللي في الممر، بس ملقتهوش. افتكرت إني شلت كرتونة حاجات قديمة في الجراج الأسبوع اللي فات.
نزلت الجراج في سكات، وبدأت أدور في الكراتين.. وهناك، ورا طقم كراسي قديم، لقيت شنطة جلد سودة تخص جلال، كانت مقفولة بس السوستة معلقة.
فتحتها، ولقيت دوسيه مكتوب عليه بخط إيده تنسيق الأصول.
بدأت أقرأ والدم اتجمد في عروقي
الورقة الأولى كانت توكيل عام شامل كان جلال بيحاول يمضيني عليه وسط ورق التأمين الأسبوع اللي فات، والحمد لله إني أجّلت الموضوع وقتها.
الورقة التانية كانت دراسة جدوى لبيع بيتي ده بيت عمري اللي ورثته عن أهلي وتقسيم تمنه عشان يشتري شقة لنيرة في التجمع، وفيلا صغيرة باسم جلال في الساحل.
الورقة التالتة كانت الصدمة الكبيرة.. روشتات طبية وتاريخ مرضي لجلال، الراجل اللي قالي إنه رياضي ومفهوش غلطة، طلع بيعاني من فشل كلوي في مرحلة متقدمة ومحتاج مصاريف علاج جبارة شهرياً، ومخبي عني عشان يضمن إني أصرف عليه وعلى عمليات الغسيل من غير ما أحس.
كنت بقرأ والدموع بتنزل
بصمت، مش حزناً عليه، لكن حزناً على نفسي.. إزاي كنت ساذجة للدرجة دي؟
طلعت من الجراج والورق في إيدي، والشمس كانت بدأت تشقشق. لقيت جلال واقف في المطبخ بيعمل قهوة، لسه بالهدوم اللي كان لابسها إمبارح.
بص لي ببرود وقال نادية، فكك من حركات العيال دي، ورجعي الكروت عشان نيرة وراها مشوار الصبح، وخلينا ننسى اللي حصل.
رميت الدوسيه على الرخامة قدامه. وشه قلب ألوان.. بقى شاحب زي الميتين.
قلتله بصوت واطي ومرعب نيرة مش وراها مشاوير بالعربية يا جلال، لأن الونش برا دلوقتي بياخدها.. وبالنسبة لبيتي اللي كنت ناوي تبيعه، فالشنط بتاعتك وبنتك دلوقتي قدام الباب.
جلال اتعلثم نادية.. أنا.. أنا كنت هقولك على موضوع التعب، بس مكنتش عايز أقلقك..
قطعت كلامه بضحكة قوية تقلقني؟ ولا كنت عايز تموتني بحسرتي وأنا بصرف على اللي بتهينني في بيتي؟
فتحت باب الشقة، وشاورت له يخرج.
قدامك 10 دقائق تلموا اللي فاضل ليكم، وإلا الورق ده هيروح للشرطة بتهمة الشروع في النصب.. والنهاردة الصبح، هرفع دعوى طلاق للضرر.
نيرة طلعت من أوضتها مخضوضة وهي شايفة الونش بيسحب عربيتها، وبدأت تصرخ وتغلط فيا تاني.
بصيت لها وقلت بكل ثبات إنتي قلتي إني مش أمك الحقيقية، وعمري
ما هكون.. والأم الحقيقية بس هي اللي بتصرف وتدلع وتستحمل.. لكن أنا دلوقتي مجرد صاحبة البيت اللي بتطردكم منه.
قفل باب شقتي وراهم كان أحلى صوت سمعته في حياتي. قعدت على كنبتي، وشربت القهوة وأنا بتفرج على الشمس وهي طالعة.. ولأول مرة من 8 شهور، حسيت إن البيت ده بيتي بجد.
حكايات شروق خالد
قعدت لوحدي في هدوء البيت اللي فجأة بقى واسع ومنور، ومسكت تليفوني. أول مكالمة كانت لمحامي العيلة.. قلتله كلمة واحدة عايزة أرفع دعوى طلاق للضرر، ومعايا كل المستندات اللي تثبت إنه كان بيخطط للنصب عليا.
الساعة بقت 10 الصبح، الجرس ضرب. كانت أختي سحر ومعاها ريهام بنتي. أول ما شافوني قاعدة وبشرب قهوتي في هدوء، ريهام جريت عليا وحضنتني وهي بتعيط أنا ممتش طول الليل من القلق يا ماما، كنت خايفة تضعفي وتسامحيه.
ابتسمت وطبطبت عليها وقلت لها الست اللي ربتكم لوحدها يا ريهام بعد أبوكم الله يرحمه ماب تضعفش.. هي بس كانت محتاجة وقت عشان تشوف الوساخة بعينها.
طلعت الورق ووريتهم خطة جلال.. سحر شهقت وهي بتقرأ يا نهار أسود! ده كان ناوي يشردك يا نادية؟ بقى بيعمل كل ده وإنتي فاتحة له بيتك؟
ريهام مسكت الورق وعينها بتطلع شرار ده مش بس طلاق يا ماما، إحنا لازم
نبلغ النقابة بتاعته ونفضح خطته دي، الراجل ده خطر.
قلت لهم بهدوء لا، أنا مش ههدر طاقة تانية في الانتقام. كفاية إني سحبت البساط من تحت رجليهم. نيرة دلوقتي هتضطر تنزل تدور على شغل عشان تلاقي تمن المواصلات، وجلال هيعرف إن الله حق وهو بيواجه تعبه لوحده بمصاريف المستشفيات اللي مابقاش يملك منها مليم.
بعد يومين، جلال حاول يتصل بيا مية مرة، بعت رسائل اعتذار، وتوسلات، وادعى إنه بيموت.. ماردتش على ولا واحدة. عملت له بلوك من حياتي كلها.
بعتت مراد ابني عشان يشرف على تغيير كل كوالين البيت، وركبت كاميرات مراقبة جديدة. وأهم حاجة عملتها، إني روحت الشهر العقاري وسجلت البيت بيع وشراء لولادي مع حق الانتفاع ليا طول العمر، عشان مفيش أي نصاب يدخل حياتي تاني يفكر إنه ممكن يطمع في شقا عمري.
النهاردة، وأنا قاعدة في جنينة البيت، وبصيت على الورد اللي زرعته بإيدي، حسيت بسلام مش طبيعي. نيرة كانت فاكرة إنها بتهيني لما قالت إنتي مش أمي.. بس الحقيقة هي قدمت لي أكبر خدمة في حياتي. فوقتني من وهم، ورجعتني لنفسي.
أنا نادية، ست عندها 66 سنة، قوية، غنية بكرامتها وبحب ولادها الحقيقيين.. ومش محتاجة ديكور راجل في حياتي عشان يكملني.
النهاية.
بنت الأصول
والقلوب السودة
حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط