لقيت حفيدي ضايع تحت الكوبري… حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

لقيتهم تحت كوبري على الطريق السريع، في عز المطرجسمين لازقين في بعض كأن الدنيا حاولت تمسحهم وفشلت.
العاصفة كانت محولة جنب الطريق لوحل، ومية سودة مالية كل حفرة صغيرة. فوق، الكوبري بيئن من تقِل العربيات والنقل، وصوت الكاوتش على الأسفلت المبلول عامل دوشة مستمرة بتخبط في العضم قبل الودان. الهوا كان بيزق المطر لجوه تحت الكوبري، يخبط في شادر أزرق رخيص مربوط في عمود خرسانة بحبال مهترية.
ماكانش المفروض أكون هناك. لا بسني، ولا بشكل لبسي، ولا بشعري المتظبط، ولا بإيدي اللي متعودة على مكاتب رخام وسفرات شيك. الجزء العاقل جوايا حاول يوقفني أول ما السواق هدى العربية.
بس أنا كنت عايشة خطر تاني بقاله تلاتين سنة. خطر مالوش صوت ولا شكل. خطر بيأكلك من جوا بالراحة لحد ما تبقي فاضية ومش حاسة. عديت منه بأني قسّيت وبقيت منظمة زيادة وبنيت حيطان محدش يعرف يعديها.
بس أول ما شفت الراجل اللي تحت الكوبري، عرفت إن كل الحيطان دي مالهاش أي لازمة.
لأن الراجل اللي شايل طفلة سخنة ومرمية على صدرهالاتنين مبلولين وبيرتعشواماكانش أي حد.
ده كان حفيدي.
كنت فاكرة إن خيانة ابني هي أقسى حاجة عدت عليا. يوم ما دخلت مكتب جوزي ولقيناه واقف قدام خزنة فاضية، وشه مصفر كأن قلبه اتسحب منه. فاكرة إن مفيش أسوأ من مكالمات ماحدش بيرد عليها، وحسابات اتصفّت، وفلوس كانت لمستقبل أحفادنا اتباعت كأنها ولا حاجة.
فاكرة إن الوحدة اللي

بعدهاسنين مرصوصة فوق بعض زي حجر ساقعهي العقاب.
ما تخيلتش إني هقف في الوحل تحت الكوبري، المطر مغرقني، وببص في وش غريب وأشوف عيون جوزي فيه.
الطفلة أنّت أنّة ضعيفة قطعت الدوشة. الشاب شدها أكتر، كأنه بيحميها من الدنيا أو مني.
قربت خطوة كمان، الجزمة غرقت في الطين.
أحمد شريف؟ قلت بصوت واطي.
بص لي بسرعة، بعين مليانة شك. حضرتك مين؟
حسيت بحاجة بتتشد جوا صدري.
أنا اسمي فاطمة شريف عارفة إن أبوك قالك إني مت، بس أنا عايشة.
ضيّق عينه. جدودي ميتين.
أبوك كدب أنا جدتك.
الطفلة عيطت تاني. أحمد بص لها بسرعة. جبينها كان سخن، ونفسها ضعيف.
حرارتها عالية قلت من غير تفكير.
رد بسرعة إحنا مش محتاجين حاجة منك.
محتاجين مش علشانك، علشانها.
سكت لحظة وبص بعيد.
اسمها إيه؟
سلمى.
الاسم وقع جوايا تقيل زي حاجة ضايعة ورجعت.
أقدر أجيب لها دكتور نروح مكان دافي. العربية هناك. شاورِت على عربية سودة واقفة. أنا نازلة في فندق كبير، والدكتورة تيجي فورًا.
ضحك ضحكة ناشفة. وطبعًا المقابل؟
بصيت له كويسالإرهاق، الجوع، التوتر اللي عمره ما بيروح.
مش عايزة حاجة غصب عنك أنا بس بطلب منك تختار الصح.
بص لسلمى تاني الخوف باين في عينه.
ساعة واحدة تكشف عليها وبعدها نتكلم. لو ماعجبنيش الكلام، هنمشي.
هزيت راسي. اتفقنا.
قام، مسك شنطة صغيرة بايظة، وطلع بالعافية وهو شايلها.
مشيت جنبه بالمظلة، المطر بيغرقني بس ماكنتش حاسة بحاجة غير
بيهم.
ركب العربية بتردد كأنه داخل عالم تاني.
قعدت جنبه.
على الفندق وكلمي الدكتورة فورًا.
العربية اتحركت، والمكان اختفى ورا الكوبري.
وحسيت إني خرجت من حياتي القديمة ودخلت حاجة مش هعرف أتحكم فيها.
قبلها بتلات أيام، كنت قاعدة في بيتي فوق، قدام البحر.
المكان كله رخام وأبيض وزجاج منظم زيادة مفيهوش روح.
بقاله سنين وأنا حاسة إني ضيفة فيه.
قدامي كان ملف أسود صغير. مساعدتي حطته وسكتت.
تلات أيام وأنا بتجاهله.
في اليوم الرابع، فتحته.
تقرير عن حفيدي.
أحمد شريف، ٢٨ سنة.
كان شغال في مصنع واترفد.
بقى في الشارع.
أبوه وأمه محمد شريف وهناء قاطعين معاه.
القهوة بردت في إيدي.
قريت الباقي
اتجوز بدري.
مراته سابته.
خسر شقته.
عربيته اتسحبت.
قدم على ملجأمفيش مكان.
كلم أهله يطلب يقعد معاهم شوية.
الرد
اترفض.
قريت الكلمة دي مرتين
اترفض
حكايات شروق خالد
الكلمة فضلت واقفة قدامي كأنها حكم نهائي
اترفض
حسيت إن الورق بقى تقيل في إيدي فجأة، مع إنه خفيف جدًا.
مش عشان اللي مكتوب عشان اللي بين السطور.
يعني ابنياللي هرب وسابنا واتسبب في كل دهكبر وبقى أب
وبعدين بقى زيي. قاسي. بيقفل بابه في وش ابنه.
نفس الدايرة نفس الغلط.
قفلت الملف ببطء، بس الحقيقة ما اتقفلتش.
في اللحظة دي عرفت إني لو سكت تاني، يبقى أنا كمان شاركت في اللي حصل.
رجعت للحاضر على صوت سلمى وهي بتنهج بخفة. العربية كانت دافية، بس جسمها الصغير لسه
بيرتعش.
أحمد كان قاعد مشدود، عينه عليّ كل شوية، كأنه مستني أغلط.
قلت بهدوء أبوك محمد هو السبب في كل اللي حصل.
شد فكه. ما تجيبيش سيرته.
لازم أجيبها عشان تفهم.
سكت شوية وبعدين كملت
أبوك ما سابناش بس هو سرقنا. سرق فلوس جدك كلها فلوس كانت ليك أنت لمستقبلك.
أحمد بص لي بصدمة واضحة. إيه الكلام ده؟
الحقيقة مش اللي اتحكالك. هو قالك إننا رميناه؟
هز راسه ببطء.
اللي حصل العكس. هو اللي اختار يمشي ومعاه كل حاجة.
سكت وبص لسلمى كأنه بيحاول يربط كل حاجة ببعض.
طب ليه ما دورتوش علينا؟ صوته كان مكسور رغم محاولته يبان قوي.
الجواب كان تقيل.
دورت في الأول. بس بعد موت جدك وقفت.
بلعت ريقي. كنت فاكرة إن مفيش فايدة وإن اللي راح خلاص راح.
سكتنا شوية صوت العربية بس هو اللي موجود.
وبعدين قال بهدوء خطر
يعني أنا اتسابِت مرتين.
الكلمة دي ضربتني في قلبي.
أنا هنا دلوقتي قلتها بصوت واطي.
بعد إيه؟ رد بسرعة، وعينه فيها وجع وغضب.
بعد ما بقيت في الشارع؟ بعد ما بنتي تعبانة؟
ما لقيتش رد جاهز عشان ماكانش فيه رد يبرر.
معاك حق تزعل بس أنا مش جاية أصلح الماضي بس أنا جاية أغير اللي جاي.
بص لي طويل كأنه بيقيس كلامي.
وأصدقك ليه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، موجوعة
ما تصدقش خالص. بس بص على اللي هعمله، مش اللي هقوله.
في اللحظة دي العربية وقفت قدام الفندق.
الباب اتفتح، والهوا الدافي لفنا.
الدكتورة كانت مستنية بالفعل.
أحمد نزل
بسرعة، شايل سلمى، والتوتر في حركته واضح.
دخلنا على طول على جناح واسع نور هادي سجاد نضيف عالم تاني خالص عن تحت
تم نسخ الرابط