على بُعد خطوة من الموت حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

بس نعيش مرتاحين
لكن نعمل حاجة تفضل بعدنا.
عملنا جمعية باسم قلب مريم
بتساعد الأطفال اللي عندهم مشاكل في القلب،
وبتدرّب الأهالي على الإسعافات الأولية.
وسارة كانت أول واحدة معانا.
بقت تيجي تدرب الناس بنفسها،
وتقول لهم
ثواني بسيطة ممكن تفرق بين حياة وموت.
وفي أول ورشة عمل
مريم وقفت قدام الناس، إيدها الصغيرة في إيدي،
وقالت بصوت هادي
أنا كنت هموت بس حد لحقني.
القاعة سكتت
ناس كتير عيطت.
أما أنا
كنت واقفة وراها، ودموعي بتنزل
بس لأول مرة دموع راحة.
لأن القصة اللي بدأت برعب
انتهت برسالة.
إن الخير لسه موجود
وإن أي حد، مهما كان بسيط
ممكن يكون سبب في إنقاذ حياة.
وفي آخر اليوم
مريم مسكت إيدي وقالت
ماما أنا مش خايفة من حاجة دلوقتي.
بصّيت لها وقلت
ولا أنا يا حبيبتي
لأننا عرفنا
إن حتى في أصعب لحظة
ممكن ربنا يبعت نور
ينقذنا ويخلّي قصتنا بداية أمل لغيرنا.
بعد سنتين
قلب مريم بقت مش بس جمعية بقت حكاية بتتقال في كل حتة.
مدارس، نوادي، حتى شركات طيران بقت
تطلبنا ندرّب الطواقم على التعامل مع الطوارئ.
في يوم جالنا اتصال مختلف.
رحلة جوية كبيرة عايزة تعمل برنامج تدريب كامل للركاب قبل الإقلاع
وعايزين مريم تبقى جزء من الحملة.
بصّيت لها كانت كبرت شوية، بس لسه نفس القلب الصغير الكبير.
سألتها
تحبي تطلعي تحكي قصتك قدام الناس؟
هزّت راسها بثقة
لو ده هيخلّي حد يتنقذ آه.
رجعنا لنفس الإحساس نفس المكان طيارة تانية،
بس المرة دي مفيش خوف.
مريم وقفت قدام الركاب، ماسكة المايك بإيد ثابتة وقالت
لو حد قال لكم اتحركوا بسرعة عشان حد تعبان ساعدوه فورًا.
ماتستناش حد يقول لك أنت مين الحياة أهم.
الطيارة سكتت
نفس الصمت اللي كان يومها بس الفرق كبير.
المرة دي كان صمت احترام.
بعد ما خلصت الناس سقّفت،
وواحدة ست كبيرة قامت حضنتها وقالت
إنتي أنقذتي ناس حتى من غير ما تعرفيهم.
وأنا واقفة ورا قلبي بيدق بهدوء،
مش خوف فخر.
وفي لحظة بسيطة
مريم همست لي
ماما فاكرة اليوم ده؟
بصّيت لها وابتسمت
فاكرة بس دلوقتي بقى عندنا نهاية تانية.

قالت وهي بتضحك
مش نهاية بداية.
وأيوه
دي كانت الحقيقة.
قصة بدأت برعب على ارتفاع 36 ألف قدم
بقت رسالة بتوصل لكل قلب على الأرض.
وكل مرة مريم تمسك إيدي
أفتكر إن الحياة ممكن تتغيّر في ثانية
بس برضه ممكن تتنقذ في ثانية.
والفرق بينهم
إن حد يختار الرحمة بدل السيطرة.
بعد تلات سنين
الاسم بقى معروف قلب مريم بقى بيظهر في كل حتة،
بس أهم لحظة كانت لسه جاية.
في يوم، جالنا طلب رسمي نحضر جلسة في مجلس الطيران المدني
قانون جديد هيتناقش
حق التدخل الفوري في الحالات الطبية الطارئة.
سارة بصّت لي وقالت
دي اللحظة اللي كنا مستنينها.
دخلنا القاعة ناس كبيرة، مسؤولين، قرارات ممكن تغيّر مصير آلاف.
طلبوا من مريم تتكلم.
وقفت مش زي الطفلة اللي كانت بتموت من سنين،
وقفت قوية ثابتة.
وقالت
أنا مش هنا عشان أحكي قصة حزينة
أنا هنا عشان أقول إن التأخير ممكن يقتل.
سكتت لحظة وبعدين كملت
لو حد يومها ما وقفش في طريقي
كنت زماني مش موجودة هنا.
القاعة كلها كانت مركزة معاها
وبعدين
قالت الجملة اللي خلت الكل يدوّن
ماتخلوش القوانين تبقى أهم من الروح.
بعد أيام
القانون اتوافق عليه.
بقى رسمي إن أي حد عنده خبرة طبية يقدر يتدخل فورًا في الطيارة،
ومن غير تعطيل أو استجواب.
ساعتها حسّيت إن كل وجع عدّى
كان ليه معنى.
أما هالة
في يوم غريب جالنا جواب.
كان منها.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
أنا غلطت وغلطتي كانت ممكن تقتل.
مفيش يوم بيعدي غير وأنا فاكرة وش بنتك.
أنا خسرت كل حاجة ويمكن ده أقل من اللي أستحقه.
بس لو في يوم تقدري تسامحيني يمكن أرتاح شوية.
بصّيت لمريم
سألتها بهدوء
إنتي زعلانة منها؟
فكرت شوية وقالت
هي كانت وحشة بس أنا عايشة.
سكتت لحظة وبعدين قالت
ممكن نسامح بس ماننساش.
ابتسمت وعرفت إنها كبرت بجد.
ردّينا على الجواب بكلمة واحدة
سامحنا.
مش عشانها
عشان نفسنا.
وفي ليلة هادية
مريم كانت نايمة جنبي، بتنفس بهدوء
الصوت اللي كان يوم من الأيام حلم.
حطّيت إيدي على قلبها
ودقاته كانت منتظمة قوية.
وقلت في سري
الحمد لله القصة دي ما انتهتش
بمأساة.
لكن الحقيقة الأجمل؟
إنها لسه بتبدأ
في كل روح بتتعلّم إن الرحمة
أسرع من أي قانون.
على بُعد خطوة من الموت
حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط