على بُعد خطوة من الموت حكايات شروق خالد
بنتي مش بتتنفس! حد يلحقني!
صوتي قطع هدوء الطيارة على ارتفاع 36 ألف قدم صوت أم قلبها بيتكسر. هنا مفيش إسعاف، مفيش غير ماسك أكسجين بلاستيك وخوف بيخنق الروح.
بنتي مريم، عندها 9 سنين، مولودة بعيب خطير في القلب فجأة وشها بقى أزرق، صدرها وقف النبض اختفى.
أنا ممرضة! وسّعوا الطريق! ست قامت من الكرسي وبتجري ناحية الممر، اسمها سارة.
لكن قبل ما تاخد خطوتين
إيد متزوقة بدهب وقفتها فجأة، ماسكة في الكرسي كأنها بوابة مقفولة.
اقعدي مكانك يا آنسة، قالتها واحدة بصوت متعالي.
دي كانت مدام هالة رئيسة اتحاد العمارة عندنا الست اللي كانت طول عمرها بتضايقنا عشان عملنا رامب لكرسي مريم.
صرخت فيها مريم بتموت! سيبيها تعدي!
ولا كأنها سمعتني.
بصت لسارة وقالت ببرود
انتي بتقولي ممرضة؟ فين كارنيهك؟ لازم تثبتي الأول. مش أي حد ييجي يلمس مريضة كده وخلاص.
سارة اتصدمت
في الشنطة فوق! في الدولاب! بالله عليكي الوقت بيجري كل ثانية من غير أكسجين بتأذي مخها!
هالة شبكت إيديها وقالت
يبقى تجيبيه. بس مش هتعدي من هنا غير لما أشوفه. أنا مسؤولة عن الأمان هنا.
المضيفين بيجروا ناحيتنا بس الممر ضيق، والدنيا بقت زحمة.
إيد مريم سابت إيدي بردت ساكنة.
دقيقة عدت وبعدين التانية
الست اللي كانت بتحاربنا عشان رامب بقت دلوقتي
كل ثانية بتعدي كانت بتسرقها مني.
وانا شايفة بنتي بتروح مني قدام عيني وهي لسه مصممة تتحكم كأنها أهم من روح بتضيع.
حكايات شروق خالد
الثانية التالتة كانت كأنها سكينة بتغرز في قلبي.
كفااااية! صرخت سارة، وعيونها ولعت.
بكل قوتها زقّت إيد هالة من على الكرسي وعدّت بالعافية.
هالة حاولت تمسكها تاني وهي بتزعق
انتي بتعتدي! هبلغ عنك!
بس محدش كان بيسمعها خلاص.
سارة وصلت لمريم، ركعت جنبها بسرعة حطت ودنها على صدرها مفيش نبض.
هنبدأ إنعاش حالًا! قالتها وهي بتركز بكل خلية فيها.
حطت إيديها الصغيرين على صدر مريم وبدأت تضغط ضغطة ورا ضغطة
واحد اتنين تلاتة
وأنا واقفة مش قادرة أتنفس ببص لبنتي اللي بين إيدين الحياة والموت.
هاتوا الأكسجين! بسرعة!
مضيفة جريت وجابت الجهاز، وسارة بدأت تنفّسها.
كل لحظة كانت حرب.
وفجأة
كحّت!
صوت ضعيف صغير بس كان أقوى من أي صوت في الدنيا.
مريم خدت نفس بصعوبة بس خدت.
وقعت على الأرض وأنا بعيّط مش مصدقة إنها رجعت.
سارة كملت تراقبها، ووشها كله تركيز
لسه خطر بس رجعت النبض.
الطيارة كلها سكتت وبعدين همسات وبعدين ناس بتعيّط.
بصّيت لهالة
كانت واقفة ساكتة أول مرة تبان صغيرة كده.
بس اللي حصل ماعداش.
أول ما الطيارة هبطت، كان في إسعاف مستني وأخدوا
والشرطة كمان كانت مستنية.
سارة حكت كل حاجة.
المضيفين شهدوا.
والركاب كمان.
اللي عملته هالة ماكانش تنظيم
كان منع إنقاذ حياة.
القضية كبرت.
وفي المحكمة القاضي ما سكتش.
قال جملة محدش نساها
التسلط وقت الخطر جريمة، مش رأي.
الحكم؟
تعويض 12 مليون دولار.
مش عشان الفلوس
لكن عشان اللي حصل لبنتي مايتكررش مع حد تاني.
مريم عاشت
بس قلبها اتأذى أكتر واحتاج عمليات تانية.
وسارة؟
بقت جزء من حياتنا
ملاك ربنا بعته في وقت مفيش فيه غيره.
أما هالة
فخسرت كل حاجة
سمعتها منصبها والناس.
وفي يوم وأنا ماسكة إيد مريم وهي بتضحك تاني
فهمت حاجة واحدة
في ناس بتفتكر إن السلطة قوة
بس الحقيقة؟
الرحمة هي القوة الوحيدة اللي بتنقذ حياة.
بعد شهور
مريم كانت لسه بتتعافى. كل ضحكة منها كانت نعمة، وكل نفس كان معجزة صغيرة.
بس اللي حصل على الطيارة ماكانش مجرد ذكرى كان نقطة بداية لحاجة أكبر.
المحامي قال لي
القضية خلصت لكن تأثيرها لسه هيكبر.
وفعلًا
القصة انتشرت. ناس كتير بدأت تتكلم عن حق أي شخص ينقذ حياة من غير تعقيد ولا استعراض سلطة.
شركات طيران غيرت سياساتها تدريب جديد، تعليمات واضحة
في الطوارئ الطريق يتفتح فورًا.
سارة اتكرّمت واتعرض عليها شغل في أماكن كبيرة،
بس هي اختارت تفضل قريبة مننا.
قالت
أنا ما أنقذتش حياتها لوحدي ربنا كتب لها عمر.
أما مريم
في يوم سألتني
ماما أنا كنت هموت؟
قلبي اتقبض بس ابتسمت وقلت
لا يا حبيبتي ربنا كان حاببك تكملي معانا.
حضنتني وقالت
أنا عايزة أبقى دكتورة عشان أنقذ الناس.
ساعتها عرفت إن الألم ممكن يطلع منه نور.
أما هالة
آخر مرة سمعت عنها، كانت لوحدها تمامًا.
الناس بعدت حتى اللي كانوا بيخافوا منها زمان.
الفلوس اللي دفعتها ما رجعتش اللي ضاع منها.
وفي يوم وأنا ماشية مع مريم في الشارع، وهي بتجري وتضحك
افتكرت اللحظة اللي إيدها بردت في إيدي.
وفرقت قد إيه بين لحظة كادت تسرقها مني
ولحظة دلوقتي مليانة حياة.
بصّيت للسماء وقلت بهدوء
الحمد لله.
لأن في النهاية
مش كل القصص بتخلص بخسارة.
في قصص ربنا بيكتب لها نجاة
علشان تفضل تذكّرنا إن الرحمة أهم من أي سلطة
وإن ثانية واحدة ممكن تغيّر عمر كامل.
عدّى سنة
حياة مريم اتغيّرت بس مش بس عشان المرض،
عشان بقت شايفة الدنيا بطريقة مختلفة.
بقت لما تشوف حد تعبان تجري عليه قبل أي حد.
مرة في المدرسة، بنت وقعت وجرحت ركبتها كل الأطفال خافوا،
إلا مريم.
جريت عليها وقالت بثقة غريبة على سنها
ماتخافيش أنا معاكي.
وقتها المدرّسة بصّت لي بعد اليوم الدراسي وقالت
بنتك عندها قلب كبير مش بس بالمعنى الطبي.
ابتسمت وأنا عارفة إن اللحظة اللي كانت ممكن تنهي حياتها،
هي نفسها اللي صنعت شخصيتها.
قررنا نعمل حاجة بالفلوس اللي خدناها
مش