السند الغدار لما أهلي باعوني عشان خاطر الست إيمان حكايات شروق خالد
لما أمي رمت شنطة هدومي على النجيله قدام البيت، عملت كده ببرود رهيب، كأنها بترمى كيس زبالة.
لا كان فيه عياط، ولا زعيق، ولا حتى نظرة ندم. جرجرت الشنطة الزرقاء القديمة ونزلت بيها السلم، وسابتها تقع في الأرض وقالتلي: "لازم تمشي من هنا قبل ما أختك توصل."
كنت واقف على الباب، بقميص الشغل بتاع محل الموان والمعدات، واسمي "دانيال" (أو خليه **ياسين**) مكتوب بخيط معووج على صدري. الشمس كانت حارقة، وصوت رشاشات الميه في الجناين اللي جمبنا كان هو الصوت الوحيد اللي مسموع. ومن جوه البيت، ريحة المنظفات وريحة الفراخ المحمرة اللي أمي مش بتعملها غير لما "إيمي" (أو **إيمان**) تكون جاية.
إيمان.. البنت المدللة، المعجزة اللي جت في الآخر، اللي ممكن تعيط وتخلي كل اللي حواليها يحسوا بالذنب لمجرد إنهم بيتنفسوا.
قلت لها بصوت مخنوق: "يا ماما.. طيب أروح فين؟"
محاولتش حتى تبص في عيني، وربعت إيديها وبصت في الفراغ وقالت: "عندك تمانية وعشرين سنة يا ياسين، اتصرف."
من وراها ظهر أبويا في الطرقة، كان شايل في إيده الصورة اللي كانت على مكتبي، صورتي وأنا في حفلة تخرجي وواقف جنبه. حط الصورة فوق الشنطة من غير ما يبص فيها حتى. وقال جملة واحدة: "أختك محتاجة استقرار."
ضحكت بوجع، مش عشان الموضوع يضحك، بس عشان كنت خايف لو مضحكتش، حاجة جوايا تتكسر وصوتها يوصل للجيران. "إيمان محتاجة استقرار؟ دي متجوزة وعندها بيت جديد وعربيتين إنتوا اللي دافعين تمنهم!"
أبويا وشة اتشنج وقال: "متبدأش تقلب في القديم."
"
أمي عينيها برقت وقالت: "كنت بتدفع اللي تقدر عليه، متزودهاش وتعمل فيها بطل."
في اللحظة دي بصيت للصالة وشفت عربية أطفال ماركة غالية مركونة جمب الكنبة، لسه بكياسها وعليها شريطة هدية. وجنبها كرتون موبيليا فخم مرصوص ناحية السلم.
قلبي انقبض وقلت: "إنتوا هتدوها أوضتي؟"
أمي ضمت شفايفها ببرود، وأبويا بص الناحية تانية. السكوت كان الرد الواضح.
إيمان وجوزها "ريان" (أو **هاني**) خسروا فلوسهم تاني. أكيد فكرة مشروع فاشلة، أو استثمار غبي، أو "ظروف طارئة" زي ما بيسموها، والحل دايمًا كان إن أهلي يفتحوا محفظتهم وأنا أصغر وأختفي في البيت أكتر. والمرة دي الحل كان إن إيمان ترجع تعيش هنا بكامل طقمها، وأنا أختفي من الوجود.
دخلت الصالة وقلت بقوة: "لأ."
أبويا جه ورايا: "ياسين، اسمع.."
"لأ يا بابا، مش هنام في عربيتي عشان خاطر الست إيمان مش عارفة تدير ميزانية بيتها."
أمي شهقت كأني ضربتها بالقلم: "إنت إزاي تتجرأ تتكلم عن أختك كده؟"
"وإنتوا إزاي تتجرأوا ترموني في الشارع عشانها؟"
الكلام كان تقيل وواقف في الزور. للحظة، تخيلت إن أبويا قلبه هيحن، هيفتكر الليالي اللي كنت برجع فيها من ورديتين شغل وأحط الفلوس في إيده لما ديون العملية بتاعته زادت. هيفتكر الشتا اللي صلحت فيه الدفاية بفلوسي بدل ما أغير كاوتش عربيتي الممسوح. هيفتكر إن في الوقت اللي إيمان كانت بتنزل صورها على البحر، كنت أنا اللي بودي أمي للدكاترة
لكن أبويا وشه زاد قسوة وقال: "إنت طول عمرك بتغير منها."
حسيت بهدوء غريب نزل عليا.. هدوء مرعب.
سألت بصوت واطي: "بغير منها؟"
أمي قربت وقالت: "آيوه، من صغرك وإنت متغاظ إنها محتاجة اهتمام أكتر منك."
"هي محتاجة اهتمام عشان إنتوا بتدوهولها من قبل ما تطلبه."
أبويا زعق: "خلاص قفل على الموضوع."
بس مكنش ينفع يقفل. مش بعد سنين من بلع الكلام عشان المركب تمشي. مش بعد ما شفت إيمان بتبوظ عربية ورا تانية، وتسيب شغل ورا تاني، وتغلط وتعيط ويقولوا عليها "حساسة"، وأنا لما أقول لأ أبقى "شخص صعب".
شاورت على كراتين الموبيليا وسألت: "دفعتولها كام المرة دي؟"
وش أمي اتخطف.. اللحظة دي عرفت إن فيه سر.
بصيت لأبويا: "دفعتوا كام؟"
مردش.
دمي بدأ يغلي: "قولولي!"
أمي همست: "كانت في ورطة يا ابني."
"ورطة إيه؟"
أبويا وقف بيني وبينها: "مالكش دعوة، دي حاجة متخصكش."
بصيت له بذهول: "لو فلوسي في البيت ده، يبقى يخصني."
أمي بصت ناحية الشباك، والحركة دي فضحتها. عيني راحت ورا نظرتها لبره، على عربيتي الـ "نقل" السوداء القديمة اللي مركونة في الشمس.
وصل أمانة القرض كان في درج العربية.
أنا وقعت على القرض ده من تلات شهور لما أبويا قالي إن ضرائب البيت متأخرة وإنهم خايفين البيت يتحجز عليه. استلفت بضمان عربيتي عشان أساعدهم. اديتهم 9,400 دولار (أو بمبلغ كبير وقتها) وعشت أسابيع باكل عيش وجبنة عشان أسدد.
فجأة، كل حاجة وضحت.
صوتي هدي خالص: "إنتوا مخدتوش الفلوس عشان الضرائب.
أمي بدأت تعيط.. عياط "تخليص حق" زي ما بنقول.
أبويا قال: "كنا هنرجعهم والله."
رجلي مكنتش شايلاني: "إنتوا اديتوا لإيمان فلوس القرض بتاعي؟"
أمي قالت وهي بتمسح دموعها: "المحصلين كانوا بيخبطوا على بابها، كانت مرعوبة، ومعاها عيلة."
"وأنا؟ أنا ماليش حياة؟"
"إنت لسه لوحدك، معندكش مسؤولية زيها."
بصيت لها، ولأول مرة في حياتي، كرهت صوت أمي.
قبل ما أرد، عربية بيضا فخمة دخلت الجنينة. إيمان نزلت وهي لابسة نظارة شمس كبيرة وماسكة كوباية قهوة، وبتضحك كأنها واصلة فندق. وهاني جوزها نزل وراها، إيده فاضية وبيتكلم في الموبايل.
إيمان شافتني واقف، وشافت الشنطة على الأرض. ابتسامتها اختفت لثانية. وبعدين رفعت النظارة فوق راسها وقالت ببرود: "أوه.. إنت لسه هنا؟"
في اللحظة دي، قلبي بطل يشحت حبهم.
أمي جريت عليها تحضنها، وأبويا شال كرتونة عربية الأطفال كأنه خدام عند ملكة. هاني هز لي راسه من بعيد بحركة بايخة، الحركة اللي بيعملها واحد عارف إنه سرق منك حاجة بس مستني منك تفضل "ذوق".
إيمان عدت من جمب شنطتي وقالت بقرف: "ممكن تشيل البتاعة دي؟ شكلها يسد النفس."
كان نفسي أصرخ. كان نفسي أفضح الحقيقة قدام الشارع كله، وأقول للجيران إزاي أهلي باعوا استقراري عشان يشتروا لإيمان طوق نجاة جديد.
بس مكلمتش. مشيت للشنطة، شلتها وحطيتها في ضهر العربية.
أبويا جه ورايا وقال: "متبقاش درامي وتعمل أفلام."
لفيت له ببطء: "إنتوا طردتوني."
قال: "كلها كام يوم."
"كام يوم بالظبط؟"
مردش.
أمي كانت واقفة حاضنة إيمان.