فواتير العمر: شروق خالد

لمحة نيوز

اسمي مريم.. وفي اليوم اللي تميت فيه أربعة وعشرين سنة، صحيت على بيت هادي لدرجة تخوف.
لا ريحة قهوة، ولا كارت معايدة على السفرة، ولا حتى صوت حركة في الطرقة. لقيت بس ورقة مطبقة على رخامة المطبخ جنب شنطة هدايا صغيرة، ومكتوب عليها اسمي بخط ماما اللي حافظاه.. كأنها كانت مرتبة للخيبة دي من بدري.
هنحتفل لما نرجع.. بلاش تعملي دراما وتكبري الموضوع. بنحبك.. ماما وبابا.
وقفت حافية، قريت الورقة مرتين.
يرجعوا منين؟
فتحت الشنطة، لقيت شمعة عليها تيكت تخفيض من محل أنا أصلاً مابحبوش. ب 150 جنيه وعليها علامة خصم، ولسه متغلفة بالبلاستيك.
لثانية واحدة، غبائي صور لي إن ده جزء من مفاجأة.. إن بابا وماما وأخويا الكبير أحمد مستخبيين في حتة وهيطلعوا يضحكوا.
فجأة موبايلي رن.. إشعار من إنستجرام.
أحمد نزل ستوري من فندق 5 نجوم في شرم الشيخ. مية فيروزية.. ماما بنظارة شمس ماركة.. وبابا رافع كاس عصير وبيضحك.. وأحمد باصص للكاميرا بضحكته الواثقة، ضحكة حد عمره ما شال هم هو غالي عند أهله ولا لأ.
الكاتب كان أحلى رحلة عيد ميلاد مع أغلى عيلة.
عيلة..
وأنا قاعدة لوحدي في المطبخ ماسكة شمعة أوت ليت كأنها دليل إدانة ضدي.
دي كانت اللحظة اللي في حاجة جوايا انطفأت تماماً.. مكنتش لسه اتعصبت، ولا بقيت شجاعة.. أنا بس هديت.
لأني فجأت فهمت إنهم منسيونيش.. هما

اختاروا يسيبوني.
أحمد دايماً هو محور الكون.. لو نجح في مادة، بنجيب أكل جاهز وتورتة. لو أنا طلعت من الأوائل، ماما تقول ببرود شطورة يا حبيبتي، وهي باصة في الموبايل.
لو أحمد وقع في مشكلة، الكل بيجري يلحقه. لو أنا اتوجعت، يقولولي إنتي قوية وهتستحملي.
ده كان دوري..
المطيعة.. الهادية.. اللي بتنفع في الأزمات.. اللي عمرها ما بتطلب حاجة.
تميت 24 سنة وأنا البنت اللي بتجيب الروشتات، بتدفع الفواتير أونلاين، بتحجز مواعيد الدكاترة، بتوصل بابا وماما لمشاويرهم، وبتدفع فاتورة موبايل أحمد، وبتداري على كل مصيبة بيعملها.
مبقتش بنتهم.. بقيت خدمة طوارئ مجانية بس شايلة اسم العيلة.
دخلت المطبخ، لقيت كومة جوابات بابا سايبها جنب الميكروويف، وعليها ورقة صغيرة مريم.. ابقي ادفعي دول.
حتى وهما بيصيفوا وبيهيصوا بفلوسهم من غيري، مستنيين مني أدفع اللي وراهم.
يومها كريم أعز أصحابي جالي ونازل جايب تورتة بسيطة وشمعة واحدة حقيقية. شاف الورقة، وشاف الستوري، وشاف الفواتير.. وشاف وشي.
مقاليش أنا آسف.
قال لي مريم.. ده مش نسيان.. ده نظام هما معودينك عليه.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي إهانة.. لأني عارفة إنه صح.
بالليل، عملت حاجة صغيرة بس حسيت إني برتكب جريمة.
مدفعتش الفواتير.
فتحت أبلكيشن البنك، ولغيت كل التحويلات التلقائية اللي كنت عاملاها. ال 1000
جنيه بتاعة الكهرباء والغاز.. ال 500 جنيه فاتورة موبايل أحمد.. وال 2000 جنيه اللي كنت بحطهم في صندوق طوارئ العيلة اللي بقى سبوبة لأحمد.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدوس إلغاء.
كنت مستنية الإحساس بالذنب يقتلني.. بس اللي جالي كان إحساس غريب.. راحة.
تاني يوم، ماما بعتت رسالة.
مش كل سنة وإنتي طيبة.
ولا آسفين.
كانت مريم، اتأكدي إن فاتورة النور اتدفعت قبل يوم 15.. أبوكي نسيها.
بصيت للرسالة كتير قبل ما أكتب لأ.. مش هدفع فواتير البيت تاني.
الرد جه في ثانية مريم، بلاش دراما ونكد.. إحنا بنحاول نقضي يومين هدوء.
هنا شفت الحقيقة بوضوح.. هدوئهم تمنه سكوتي.. راحتهم تمنها تعبي.. وعشان هما يبقوا عيلة سعيدة، لازم أنا أختفي.
لما رجعوا، ماما جابت لي ميدالية من المطار مكتوب عليها كنت أتمنى تكوني معانا.
بصيت لها وقلت بهدوء لأ يا ماما.. مكنتيش تتمني.
بابا وشه اتخشب مريم.. اتكلمي بأدب.
الأدب في بيتنا معناه إنك تقول حاضر حتى وإنت بتتداس بالرجل.
أحمد دخل وهو لابس الساعة الماركة اللي جابوهاله في عشا عيد ميلادي اللي هما حضروه لوحدهم. بص في موبايله واتنرفز يا مريم، إنتي لغيتي حاجة؟ فاتورة موبايلي مدفعتش.
قلت له أيوة.. لغيت الدفع.
بص لي كأني بتكلم لغة تانية ليه؟
عشان ده موبايلك إنت.
ضحك باستهزاء ماشي، بس إنتي اللي بتدفعي دايماً!
مبقاش فيه دايماً.

البيت كله سكت.. سكتة تخوف. بابا رزع الشنطة على الأرض مريم، مش وقت قمص ومشاعر دلوقتي.
مريم القديمة كانت هتعتذر فوراً وتدفع وتكتم وجعها وتكره نفسها.. بس مريم الجديدة فضلت واقفة.
دي مش مشاعر يا بابا.. دي حسابات.
لأول مرة شفت التوتر في عينيهم.. مش عشان أنا غلطانة، عشان مابقتش بلعب الدور اللي رسموه لي.
الأسابيع اللي بعد كده، بطلت أرد على رسايلهم في ثانية. بطلت أعتذر إني عندي حدود. بطلت أراقب حسابات أحمد عشان ألحقه قبل ما يلبس في الحيط.
وبعد شهرين، أحمد لبس في الحيط فعلاً.. ومش في فاتورة موبايل.
أحمد طردوه من معرض العربيات اللي شغال فيه، بعد ما استلف مقدم عربية من زبون عشان يسدد ديونه الشخصية. ماما سمته سلف.. بابا سماه سوء تفاهم.. بس الكل عارف إنها سرقة.
وكالعادة.. جم يدوروا عليا.
تليفونات.. رسايل.. مريم ردي، أخوكي هيضيع. إنتي شاطرة في الورق والكلام الرسمي، تعالي نظمي لنا الموقف.
محدش سألني إنتي عاملة إيه؟
محدش جاب سيرة عيد ميلادي.
أخيراً بابا كلمني من موبايل ماما عشان عارف إني مش هرد عليه.
مريم، تعالي الليلة.. موضوع أحمد معقد.. محتاجين تقارير، وكلام مرتب، وجواب لصاحب المعرض يهديه.. إنتي بتعرفي تخلي الكلام شكله احترافي.
قلت له هو أحمد خد الفلوس فعلاً؟
مش ده الموضوع دلوقتي!
لأ.. هو ده الموضوع.
ماما خطفت الموبايل
إنتي إيه قلبك ده؟ ده أخوكي!
الجملة السحرية اللي بيفتحوا
تم نسخ الرابط